آخر تحديث :الخميس-04 يونيو 2026-08:47م

الجمع بين عضوية مجلس القيادة والوظائف التنفيذية والعسكرية… تعارض يضرب المركز القانوني للدولة

الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 06:18 م
احمد علي القفيش


نقف اليوم أمام قضية هامة تمس بالمركز القانوني للدولة، وهي الجمع بين عضوية مجلس القيادة الرئاسي وتولي وظيفة تنفيذية أو عسكرية أخرى كمنصب محافظ أو قيادة عسكرية، بعيدًا عن الأشخاص أو المساس بمواقفهم الوطنية، حتى لا يُفهم أن تناولنا لهذه القضية الهامة يستهدف أشخاصًا معينين، وإنما يهدف إلى الحد من هذه الظاهرة العبثية وحماية القانون وحماية الدولة ابتداءً من أعلى سلطة فيها.


إن التعارض يكمن في طبيعة المنصبين المتناقضة؛ فمجلس القيادة الرئاسي، المُشكّل بموجب إعلان نقل السلطة في 7 أبريل 2022، هو سلطة سيادية عليا يمتلك رئيس المجلس درجة وصلاحيات رئيس الجمهورية، بينما أعضاؤه بدرجة وصلاحيات نائب رئيس الجمهورية، ومهمته الإشراف على الحكومة والمحافظين ورسم السياسات العامة للدولة واتخاذ القرارات المصيرية.


وفي المقابل، فإن منصب المحافظ سلطة تنفيذية محلية تخضع إداريًا وماليًا لوزارة الإدارة المحلية ومجلس الوزراء. كذلك القيادات العسكرية تخضع لرئاسة هيئة الأركان العامة ووزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وهم جميعًا ينفذون التوجيهات ولا يصدرونها للسلطة العليا.


ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستقيم الوضع بأن يكون عضو مجلس القيادة في موقع المشرف والمراقب على الحكومة والمحافظين وعلى جميع جبهات القتال والقوات المرابطة فيها، ثم يتحول في الوقت نفسه إلى موظف حكومي بدرجة محافظ يتلقى التوجيهات منها، أو قائد عسكري محصور في جبهة يستلم توجيهاته من غرفة العمليات المشتركة ويخضع لوزارة الدفاع. هذا يخلق تضارب مصالح واضحًا.


إن ما يحدث اليوم من ازدواجية في الوظيفة العامة للدولة، والجمع بين الوظيفة السيادية والتنفيذية، يُعد مخالفة صريحة للدستور اليمني الذي ينص على أن الوظيفة العامة تكليف وخدمة للشعب تقوم على أساس التفرغ، كما يمنع قانون الخدمة المدنية ولائحة السلطة المحلية والقوانين المنظمة للقوات المسلحة اليمنية الجمع بين وظيفتين عامتين.


ومصدر التعارض أن مجلس القيادة هو السلطة الأعلى التي تشرف على أداء الحكومة وتنفيذها للسياسات العامة، فكيف يحاسب نفسه إذا كان أحد أعضائه يشغل منصبًا تنفيذيًا أو عسكريًا تابعًا للحكومة أو لوزارة الدفاع؟


إن استمرار هذه الظاهرة يقوّض مبدأ “استعادة المركز القانوني للدولة” الذي ترفعه السلطة شعارًا لها، فالفوضى الإدارية التي تبدأ من القمة تنعكس ضعفًا في الأداء وارتباكًا في التسلسل الهرمي للدولة وصولًا إلى المديريات.


وعليه، فإنه لا يمكن بناء دولة مؤسسات في ظل غياب الفصل بين السلطات واحترام قواعد تعارض المصالح، كون ما يحدث ظاهرة عجيبة لا تجد من ينتقدها بوضوح، رغم أنها تمس جوهر الدولة.


وفي الأخير، فإن القرارات التي تصدر عن مجلس القيادة تعود إلى حيث بدأت، وتفقد قيمتها وقوتها الرقابية قبل أن تُرسل للحكومة لتنفيذها، إذا كان أحد أعضاء المجلس أنفسهم جزءًا من جهازها التنفيذي أو العسكري.


إن تصحيح هذا المسار يبدأ من احترام القوانين واللوائح، فاستعادة الدولة لا تكون بالشعارات، بل بتطبيق قواعدها من أعلى الهرم قبل القاعدة.


قد يقول البعض إن الحرب وظروفها تبرر هذا الجمع لتوحيد السلطة ميدانيًا، لكن الظرف الاستثنائي يبرر قرارات مؤقتة وإجراءات عاجلة، ولا يلغي القواعد المؤسسة لبناء الدولة، فالدولة المؤقتة اليوم هي ذريعة الدولة الفاشلة غدًا، والاستثناء إذا طال أصبح هو القاعدة.

احمد علي القفيش