آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-12:29ص

عندما تغدو المزابل ملاذا والكرامة ثمنا للبقاء!

الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 10:41 م
حسين سالم السليماني


في زمن غدت فيه لقمة العيش غُصّةً مغموسة بدموع القهر، وعزة النفس تئنّ تحت وطأة الغلاء الفاحش والعدم، لم يعد الفقر مجرد أرقام جافة تُتلى في ردهات التقارير الاقتصادية الباردة، بل بات خنجرا مسموما ينهش أجساد البسطاء في أزقة بلادنا المنسية. واليوم، يرزح المواطن بين مطرقة الحاجة وسندان العوز، في واقع مرير ألجأ عائلات بأكملها إلى تلمّس بصيص أمل شحيح... حتى وإن كان هذا الأمل مخبوءا في قعر سلة مهملات!

لكن، في قلب هذا الظلام الدامس واليأس المطبق، ثمة حقيقة مؤلمة توخز الضمائر الحية؛ فلم تجد تلك المشاهد القاسية طريقا إلى قلوب المسؤولين لتدكّ جدار غفلتهم، ولا استثارت غريزة الرحمة فيهم تلك الروائح الخانقة المنبعثة من ركام المزابل، حيث تفتش الأيادي العفيفة عن رمق الحياة. أين قوارير العطف في صدوركم يا قادة الجشع والترف؟ وأين عهودكم لمن استأمنكم على لقمته وأمنه؟ إنها "معادلة الكرامة" التي تلاشت في دهاليز الحكم المظلمة، وتبخر معها أمل الشعب في قيادات كان يُفترض بها أن تحمي حِمى الإنسان وتصون كبرياءه، لا أن تسلمه لذلّ المسغبة والامتهان. لقد تحولت أكياس القمامة السوداء ــ ويا لأسفاه ــ إلى بديل بائس وضئيل لـ "صناديق الرعاية الاجتماعية" التي خذلت الإنسان في بلادنا، وتركت الشعب لقمة سائغة في مهبّ الضياع، يقتاتون من فتات النفايات؛ ليحملوا نجاة رميما لعائلاتهم التي أهلكها الجوع وطواها النسيان!

إن هذا المشهد الدامي ليس مجرد حدث عابر، بل هو صرخة نذير مدوية ورسالة استغاثة حارقة، نرفعها إلى أهل الجود والفضل، وإلى الجمعيات الخيرية والمؤسسات الأهلية التي ما زالت تكافح في ميادين البذل والعطاء، لتكون هي الحصن الحصين والدرع المتين لحفظ كرامة الإنسان. ففي بلاد تلاشت آمالها في قياداتها، لم يبق لها ــ بعد الله سبحانه وتعالى ــ إلا تكاتف المخلصين وتراحم الأوفياء.

أدركوا البسطاء قبل أن يبتلعهم بحر الفاقة المتلاطم، واجعلوا من صدقات الخفاء أطواق نجاةٍ ترفع عن جباهم الأبية غبار الحاجة، وتغنيهم عن مرارة السؤال في زمن جفت فيه ضمائر المترفين. إن المبادرات المجتمعية والتكافل الأهلي هما الملاذ الأخير والبلسم الشافي الذي يسد اليوم فجوة الغياب الحكومي؛ لإنقاذ الأسر المتعففة وصون كرامتها المهدورة... فلله درّ الأوفياء، وبوركت أياد تمتد بالخير لتزرع الأمل في منابت الألم!