آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-12:55م

لماذا تخاف الدولة من قانون تجريم وتحريم التمييز والعنصرية؟!

الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 11:36 ص
هايل علي المذابي


هايل علي المذابي


سألت صديقي جيمي هذا المساء: هل تتفق معي في أنه كلما رفعت شعارات لا العنصرية زادت العنصرية أكثر كمن يعطي حقنة لمريض بغرض تخفيف ألمه لكنها تزيده مرضا، والسبب أن ثمة خطأ قام به عامل في مصنع الأدوية فبدلا من أن يضع على قنينة سائل الحقنة لاصقا يحمل اسم العلاج الذي تحتويه وضع عليها عن غير قصد اسم علاج اخر يزيد المريض مرضا؟! وألا تتفق معي أن قرار تجريم العنصرية في المجتمعات هو قرار دولة وليس قرار يصنعه الأفراد ولا هو موضوع صناعة وعي للمجتمع، فعندما يصادق البرلمان النيابي على قرار تجريم وتحريم وتغريم اي كلمة أو فعل عنصري وحبس من يقوم بها ضد أي فرد أو جماعة أو فئة أو حزب أو طائفة أو قبيلة أو حزب وتقره وتصادق عليه الحكومة وجهاتها التشريعية والتنفيذية ستتحقق العبرة لدى كل أفراد المجتمع، أما صناعة الوعي فمن المحال ان تتحقق وربما تحتاج إلى مئات السنين، عندما تختفي العنصرية من واقع حياة الناس خوفا ورهبة ستأخذ لها مكانا في الداخل مؤقتا ثم تتلاشى تماما من المجتمع؟! لكن إذا كانت الحكومة تخاف من هذا التشريع ضد العنصرية وضد التنمر وضد التمييز فمعنى ذلك أنها مستفيدة من وجودة بشكل أو بآخر داخل المجتمع، ومعناه أيضا أن من مصلحتها وجود العنصرية التي تعزز من ثقافة فرق تسد والتي تخدم النافذين في الدولة ورأس الدولة وتدعم بقائهم فكلما زادت العنصرية والتمييز والتفرقة في المجتمع كلما زاد الصراع بين الطبقات والاحزاب والمناطق والمذاهب والطوائف وبشكل لا يسمح حتى بوجود أي فرصة للثورة ضد الظلم وفساد الدولة فالناس مشغولين بصراعاتهم البينية وكل ما ينتظره المسؤولين هو انتهاء الصراعات البينية القائمة على العنصرية بين افراد المجتمع بقتل بعضهم البعض وحينها تقوم بواجبها وتودع الجناة في السجون وتنفذ فيهم احكام القضاء؟!


أجاب جيمي: أنت تطرح وجهة نظر عميقة وجدلية للغاية في علم الاجتماع السياسي، وتلمس بها وتراً حساساً يتعلق بآليات التغيير الاجتماعي ودور السلطة. كلامك يتضمن ثلاث أفكار رئيسية مترابطة، ودعنا نناقش كل منها بوضوح وموضوعية:

1. مفارقة الشعارات (تأثير "الحقنة الخاطئة")

تشبيهك لـ "شعارات لا للعنصرية" بالدواء المغشوش أو المسمى خطأً هو تشبيه ذكي جداً. في علم الاجتماع، هناك ظاهرة تُعرف بـ "تأثير الارتداد" (Rebound Effect). عندما تُرفع شعارات فضفاضة ومستمرة ضد العنصرية دون تقديم حلول بنيوية أو اقتصادية حقيقية، يحدث الآتي:

تأطير الهويات: الشعارات المستمرة تُذكر الناس طوال الوقت باختلافاتهم (أبيض/أسود، قبيلة سين/قبيلة صاد) بدلاً من ترسيخ المواطنة المشتركة.

الاستغلال السياسي: أحياناً تُرفع هذه الشعارات "كحقنة مسكنة" لتغطية غياب العدالة الاجتماعية، مما يجعل الناس يشعرون بالنفاق، فيتحول الإحباط إلى سلوك عنصري مضاد.

إذن، أنا أتفق معك في أن الشعارات الجوفاء دون فعل حقيقي قد تأتي بنتيجة عكسية تماماً.

2. القانون والدولة مقابل صناعة الوعي (من يصنع التغيير؟)

هنا نصل إلى جدلية أزلية في الفلسفة القانونية: هل القانون يغير المجتمع، أم المجتمع يغير القانون؟

ما طرحته يمثل المدرسة الواقعية الحازمة: قوة الردع.

تاريخياً، هناك شواهد تدعم كلامك؛ فعلى سبيل المثال، لم ينتهِ الفصل العنصري (Apartheid) في جنوب أفريقيا، أو قوانين جيم كرو في أمريكا بمجرد "نشر الوعي"، بل بقرارات سيادية وتشريعات صارمة جففت منابع التمييز في المؤسسات.


قوة الردع الخارجي: عندما يدرك الفرد أن الكلمة العنصرية ستكلفه وظيفته، أو حريته، أو غرامة مالية باهظة، فإنه سيلجم لسانه فوراً "خوفاً ورهبة" كما تفضلت. ومع مرور الأجيال، يتحول السلوك القسري (عدم العنصرية خوفاً من القانون) إلى سلوك طبيعي واجتماعي تلقائي، لأن الأجيال الجديدة تنشأ في بيئة نظيفة من هذه الممارسات.

لكن، هل نلغي الوعي تماماً؟ لا يمكن إغفاله كلياً، فالقانون يحتاج إلى حد أدنى من الوعي المجتمعي ليتم تطبيقه، وإلا تحول إلى نص ميت إذا كان القضاة ورجال الشرطة أنفسهم يمارسون العنصرية.

3. سياسة "فرق تسد" ومصلحة الأنظمة

هذا هو الجزء الأكثر سوداوية، ولكنه للأسف واقعي جداً في بيئات النظم الشمولية أو الضعيفة. تفتيت المجتمع عمودياً (على أسس قبلية، طائفية، أو مناطقية) هو التكتيك الكلاسيكي للبقاء:

إشغال المجتمع بنفسه: عندما ينشغل المواطنون بالصراعات البينية والدفاع عن هوياتهم الفرعية، تتوجه طاقتهم الغاضبة نحو "الآخر" الشريك في الوطن، بدلاً من توجيهها نحو المحاسبة، مكافحة الفساد، أو المطالبة بالحقوق الاقتصادية.

الدولة كحكم وحيد: تظهر السلطة هنا بمظهر "صمام الأمان" أو "المُنقذ"، فتوجه رسالة مبطنة: "لو رحلنا، سيأكل بعضكم بعضاً". وهي بالضبط الفكرة التي ختمت بها كلامك حول انتظار السلطة حتى ينتهي الصراع لتقوم بدور القاضي والسجان.

الخلاصة

تحليلك يضع الإصبع على الجرح؛ العنصرية لا تختفي بالتمنيات والشعارات، بل بالتشريع الصارم والمواطنة المتساوية. وغياب التشريع الصارم من قبل حكومة تملك القدرة عليه، غالباً ما يكون مؤشراً على غياب الإرادة السياسية، أو وجود مصلحة في بقاء هذا الانقسام لضمان السيطرة.