آخر تحديث :السبت-06 يونيو 2026-12:12ص

النقل البري في اليمن: رحلة معاناة لا تنتهي

الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 08:19 م
فيصل الشميري


يُفترض أن يكون النقل البري شرياناً حيوياً يربط المدن والدول، ويُسهّل حركة الأفراد والتجارة، ويعكس مستوى التنظيم والخدمات في أي بلد، لكن الواقع المؤلم الذي يعيشه المسافر من اليمن عبر شركات النقل البري يكشف عن أزمة متجذرة تتجاوز مجرد التأخير أو سوء الخدمات، لتتحول إلى منظومة من الفوضى والإهمال والاستغلال والحوادث الذي يدفع ثمنه المسافر وحده في ظل غياب الدولة في كل أرجاء اليمن، وعلى سبيل السرد لا الحصر سأتطرق لبعض المعوقات التي يعاني منها المسافر اليمني وعانيت منها في رحلتي الأخيرة:

مواعيد الرحلات، مجرد أرقام على التذاكر إن وجدت؛ من أكثر المشكلات إزعاجاً للمسافرين عدم الالتزام بالمواعيد المُعلنة، فموعد الانطلاق المحدد في التذكرة لا يعدو كونه اقتراحاً قابلاً للتغيير في أي لحظة، بينما قد تمتد ساعات الانتظار دون أي توضيح أو اعتذار أو تعويض، والأسوأ من ذلك أن التأخير لا يكون بسبب ظروف طارئة أو قاهرة، بل غالباً نتيجة سوء الإدارة، أو انتظار ركاب إضافيين، أو توقفات غير مبررة على طول الطريق المهترئ.

في عالم النقل الحديث في الدول المحترمة إقليمياً ودولياً، تُقاس جودة شركات النقل بدقة مواعيدها، أما في معظم خطوط النقل البرية في اليمن فيبدو وكأن الوقت لا قيمة له، وكأن عشرات الركاب الذين يرتبطون بمواعيد عمل أو مراجعات أو تأشيرات قد تنتهي أو رحلات جوية أو ارتباطات أسرية لا يستحقون الحدّ الأدنى من الاحترام.

الاستراحات العشوائية وعمولات المطاعم؛ يعاني المسافرون من ظاهرة الاستراحات المفروضة من قبل سائقي الحافلات في مطاعم بعينها، حيث تتوقف الحافلات لفترات طويلة في أماكن لا يختارها الركاب ولا يحتاجون إليها بالضرورة، ويزداد الاستياء عندما يدرك الجميع أن سبب التوقف ليس خدمة المسافرين، بل العمولات التي يحصل عليها السائقون أو الوسطاء من تلك المطاعم، على هيئة وجبات راقية، على حساب رفع سعر الوجبات العادية على الركاب، مع عمولات مالية للسائق ومساعديه وأصحابه كما لاحظتها بأم عيني، فتتحول الرحلة إلى سوق مصالح خاصة، بينما يُجبر الركاب على دفع أسعار مرتفعة مقابل خدمات متواضعة ووجبات سيئة الجودة، ويُهدر وقتهم في انتظار انتهاء التفاهمات التجارية غير المعلنة بين السائق وأصحاب الاستراحات في غرف خاصة.

مزاجية السائقين واستهتارهم بالوقت؛ المفترض أن يكون سائق النقل البري مسؤولاً عن حياة عشرات الأشخاص، وأن يتحلى بأعلى درجات الانضباط والاحترافية، لكن الواقع يكشف عن ممارسات مزاجية تؤثر مباشرة على جودة الرحلة وسلامتها.

فبعض السائقين يتعاملون مع الحافلة وكأنها ملكية خاصة، يقررون متى ينطلقون ومتى يتوقفون ومتى يستأنفون السير دون أي التزام بمعايير مهنية واضحة، كما أن بعضهم يقود بسرعة مفرطة في بعض المقاطع والمنحدرات ثم يتسبب في تأخير كبير في مقاطع أخرى، في مشهد يعكس غياب الرقابة والمحاسبة.

التهريب ومعاناة المنافذ الحدودية؛ من أخطر المشكلات التي يعاني منها المسافرون؛ إذ تورط بعض السائقين وشركات النقل، في نقل مواد أو بضائع مخالفة للأنظمة غير المسموح بها، أو التي لديها حدّ أعلى للسماح بها لكل مسافر، الأمر الذي يؤدي إلى تشديد إجراءات التفتيش في المنافذ الحدودية، خصوصاً في منفذ الوديعة، وهو المنفذ البري الوحيد لأكثر من أربعين مليون يمني، والنتيجة أن مئات المسافرين الأبرياء يتحملون ساعات طويلة من الانتظار والتفتيش والتدقيق بسبب تصرفات غير مسؤولة لا علاقة لهم بها، فبدلاً من أن تكون شركات النقل جزءاً من الحلّ، تصبح في معظم الحالات سبباً مباشراً في تعقيد إجراءات السفر وإطالة زمن الرحلة.

فوضى الأسعار وغياب العدالة؛ من الظواهر المثيرة للاستغراب التي رأيتها في رحلتي الأخيرة، اختلاف أسعار التذاكر، حيث اكتشفت عند سؤال زملائي في رحلة السفر، البعض قطع تذكرة بعشرين ألفـا ووصلت عند البعض الآخر خمسة وخمسين ألف ريال يمني قديم، الحمد لله أنني كنت في الوسط تقريباً 32 ألفا، الأسعار المتفاوتة في نفس الرحلة ونفس الحافلة ونفس المقاعد أمر مثير للاستغراب، لماذا يدفع أحد الركاب ضعف ما دفعه راكب آخر يجلس بجواره، دون وجود أي مبرر منطقي أو نظام تسعير واضح، هذه الفوضى تفتح الباب أمام الاستغلال والسمسرة والوساطات والعلاقات، وتفقد المسافر ثقته بالشركة الناقلة، لأن الأمر متروك للمزاجية، وعدم وجود رقابة حقيقية، وإن وجدت فهي شكلياً، تحصل على مبالغ ترضية للتغاضي، وما خفى كان أعظم. إن وجود تسعيرة معلنة وموحدة وشفافة ليس رفاهية، بل حق أساسي لكل مسافر.

ابتزاز الملصقات ورسوم الأمتعة؛ من وراء جعفر (القادم من جمهورية اثيوبيا بدون إقامة أو مُسوغ قانوني لوجوده، لكنه يمسك بزمام الأمور، وملصقات الحقائب والرسوم) فحين تتحول عملية وضع ملصق صغير على حقيبة السفر في بعض المحطات إلى وسيلة ابتزاز لفرض رسوم مُبالغ فيها، لا تتناسب مع الخدمة المقدمة، ولا تجوز أصلاً لأنها تعتبر من ضمن تكاليف تذكرة السفر، والمشكلة لا تكمن فقط في قيمة المبلغ، بل في غياب الشفافية وعدم وجود لوائح مُعلنة أو إيصالات واضحة، مما يجعل كثير من المسافرين يشعرون بأنهم يتعرضون للابتزاز تحت غطاء إجراءات تنظيمية شكلية، فبعض الحقائب يصر "جعفر" على وضع ملصق لها، والبعض الآخر لا تحتاج بحسب رؤيته، فمن وراء جعفر؟ ومن جعل جعفر هكذا يتحكم في مثل هذه الأمور؟ وكم لدينا جعافر في مختلف شركات النقل؟

إهمال الأمتعة وتلف الممتلكات؛ تعكس طريقة التعامل مع أمتعة الركاب مستوى احترام الشركة لعملائها، لكن المؤسف أن تحميل الحقائب في بعض الحافلات يتم بعشوائية شديدة، حيث تُرمى الأمتعة فوق بعضها البعض دون مراعاة لمحتوياتها أو قابليتها للكسر أو التلف. ويفاجأ كثير من الركاب عند الوصول بحقائب ممزقة أو مكسورة أو محتويات تالفة ومتناثرة، بينما تغيب أي آلية واضحة للتعويض أو تحمل المسؤولية.

الحافلة ليست وسيلة نقل داخلية؛ من أغرب الظواهر في النقل البري في اليمن استمرار صعود ونزول الركاب من الشوارع والأحياء والقرى والمناطق على امتداد الطريق وطوال خط الرحلة، فالحافلة التي يُفترض أن تنطلق من ميناء بري أو محطة مركزية وتصل إلى وجهتها وفق جدول زمني محدد، تتحول إلى وسيلة نقل محلية تتوقف في كل منطقة تقريباً، مما يضاعف زمن الرحلة ويؤثر على الانضباط والأمن والسلامة، في معظم دول العالم تخضع الرحلات الدولية والبعيدة لإجراءات واضحة تمنع صعود ركاب جدد بعد مغادرة المحطة الرسمية، وذلك لأسباب أمنية وتنظيمية وتقنية، أما استمرار تحميل الركاب من الطرقات وعلى امتداد مئات الكيلومترات فهو أحد أبرز أسباب التأخير والفوضى.

غياب الرقابة والمحاسبة؛ المشكلة الحقيقية لا تكمن في الأخطاء الفردية فقط، بل في غياب منظومة رقابية فعالة تفرض المعايير وتعاقب المخالفين. بل وتسحب التراخيص من الشركات المستهترة، فالمسافر لا يجد جهة واضحة يلجأ إليها لتقديم شكوى، ولا توجد مؤشرات أداء معلنة للشركات، ولا عقوبات رادعة على التأخير المتكرر أو سوء الخدمة أو التلاعب بالأسعار والأرواح، وعندما تغيب المحاسبة تصبح المخالفات سلوكاً معتاداً لا استثناءً.

غياب الحجز الإلكتروني وتتبع الرحلات؛ بينما تتجه شركات النقل في العالم إلى التطبيقات الذكية وأنظمة التتبع الفوري، لا يزال كثير من المسافرين اليمنيين يعتمدون على الحضور المباشر او الاتصالات الهاتفية أو الوسطاء أو المكاتب التقليدية، لمعرفة مواعيد الرحلات والحجوزات، ولا توجد في كثير من الأحيان آلية لمعرفة موقع الحافلة أو زمن وصولها الحقيقي أو أسباب التأخير، مما يزيد من حالة الفوضى وعدم اليقين.

وختاماً النقل البري في اليمن بحاجة إلى ثورة حقيقية في قطاع النقل عموماً والبري خصوصاً.

إن إصلاح النقل البري في اليمن لم يعد قضية خدمية هامشية، بل ضرورة اقتصادية وإنسانية وأمنية، فالمسافر اليمني يستحق خدمة تحترم وقته وماله وكرامته وسلامته، ويستحق شركات نقل تعمل وفق معايير مهنية واضحة لا وفق المزاج والعلاقات الشخصية والمصالح الضيقة.

إن احترام المواعيد، وتوحيد الأسعار، وحماية الأمتعة، ومنع التهريب، والصيانة الدورية للحافلات، وتنظيم نقاط الصعود والنزول، وإلغاء العمولات الخفية، وفرض الرقابة الصارمة على الشركات والسائقين؛ كلها خطوات أساسية لبناء قطاع نقل يليق بالمواطن، فالنقل البري ليس مجرد حافلة تسير على الطريق، بل صورة تعكس مدى احترام المُجتمع لحقوق الإنسان ووقته وكرامته وصحته، وما لم تتم معالجة هذه الاختلالات الجذرية، ستظل رحلة المسافر اليمني رحلة معاناة تبدأ قبل صعود الحافلة ولا تنتهي إلا بعد الوصول مُنهكاً جسدياً ونفسياً ومادياً.


* ملاحظة، أحتفظ باسم الشركة وكافة المراسلات بيننا