خالد شوبه
تاريخياً، لم تكن أبين مجرد رقم عابر في جغرافيا الجنوب، بل كانت "بيضة القبان" وعمود الخيمة ومصنع القادة والشجعان و"حمران العيون" الذين حكموا وصاغوا معادلات القوة والسياسة في أوج عهده.
هي أبين التي"كانت" إذا نامت جاع الجنوب وإذا صحت نهض وأذا تألم كانت له ترياق الداء وبلسم الشفاء..!
لكن واقع أبين اليوم لم يعد كما كان وهذا ما يضعنا أمام تساؤلات عدة ومريرة: كيف تراجعت أبين من هرم القيادة إلى زوايا التهميش؟ وكيف تحول ذلك الثقل القيادي التاريخي الكبير إلى عبء أنهك كاهل المحافظة وشتت تلاحم أهلها وعطل مشروع الشعب في استعادة الوطن؟!
إن القراءة المنصفة لواقع أبين المرير اليوم تكشف أن علتها الكبرى طبخت في مطابخ بعض أبنائها وفي فترات ومنعطفات تاريخية معينة حين نصب البعض أنفسهم أوصياء على قرار هذه المحافظة واحتكروا توجهها السياسي واندفعوا بها بعيداً عن الإجماع الشعبي الجنوبي.
هذا الاستئثار بالقرار والمغامرة بمستقبل المحافظة في حسابات ضيقة جعل أبين تدفع اليوم الثمن الأكبر من دماء أبنائها واستقرارها وتنميتها وتحولت من شريك في صياغة المستقبل إلى ضحية لسياسات خاطئة.
وهنا يبرز عتب التاريخ ومرارة اللوم التي نوجهها لبعض القادة والرؤساء السابقين من أبناء أبين أنفسهم، أولئك الذين ارتقوا سدة الحكم والقرار ولكنهم – للأسف – بدلاً من تحصين البيت الداخلي، تسببوا في زرع بذور الفتن وبث سموم الضغينة والأحقاد تجاه إخوتهم ورفاق دربهم ونضالهم في بقية محافظات الجنوب، وأدخلوا المحافظة في صراعات صفرية وحولوا رفاق السلاح إلى خصوم ليدفع المواطن الأبيني البسيط اليوم فاتورة تلك الأخطاء التاريخية من إقصاء وتهميش بعد أن تم استغلال تلك الثغرات لتمزيق النسيج الاجتماعي الجنوبي..!
أن ما نراه اليوم من إقصاء ممنهج لأبين في سلطات القرار العليا وإسقاط لحقوق أبنائها وتضحيات رجالاتها، ليس أمراً مستغربا بل هو امتداد لنفوذ "لوبي الاحتكار القبلي والسياسي" الذي لا يزال يتحكم بمفاصل المشهد ويعمل بجهد حثيث على إسقاط أبين في شخوص مجردة وتغييب كفاءاتها.
هذا اللوبي الذي يخشى عودة أبين بقوتها وثقلها الحقيقي لأن عودتها تعني انتهاء زمن الاستقواء والهيمنة، لذلك يراد لها أن تبقى في حالة إنهاك مستمر ومجرد ساحة لتصفية الحسابات والحروب بالوكالة.
إن حالة القهر التي يعيشها أبناء أبين اليوم ورؤية تضحياتهم تجحد وحقوقهم تسلب، تستدعي وقفة جادة مع الذات، فخذلان أبين لم يأتي فقط من الخصوم بل شرعنته حالة التشظي والانقسام الداخلي بين أبنائها.
إن عودة أبين إلى مكانتها الطبيعية وقيمتها السياسية والعسكرية لن يأتي هبة من أحد ولن يتحقق بالتباكي على مجد الماضي، فالحل يبدأ من أبناء أبين أنفسهم بنبذ التبعية وتجاوز آلام الماضي وصراعاته وكسر قيود الوصاية ومواجهة لوبيات الاحتكار تلك بصف واحد متماسك وقوي.
في الأخير، دعوة صادقة نوجهها من القلب إلى قلوب أولئك الذين عطلوا اجماع أبين وخلخوا صفها أن: "كفاكم عبثاً وكفاكم ارتهاناً لمصالح ضيقة على حساب أنين أهلكم، فالتاريخ لا يرحم والفرص لا تدوم ولن يغفر لكم أبناء هذه المحافظة الباسلة "المعلولة" استمرار هذا التمزق والعلل..!