آخر تحديث :السبت-06 يونيو 2026-12:12ص

مأساةٌ على رصيفِ الانتظار

الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 10:51 م
سناء العطوي


عدن اليوم على مفترقِ طرقٍ صعب؛ فهي مدينةٌ تحاولُ أن تستردَّ أنفاسها وسط ضجيجِ أزماتٍ تتراكم كأمواجِ بحرها، حيث أصبحت الحياة فيها رحلةَ صمودٍ يومية.


لا تزال المدينة تحتفظ بملامحها الساحرة، لكنها ترتدي ثوباً من التعبِ الذي فرضه تراجعُ الخدمات، وانهيارُ قيمةِ العملةِ، ومعاناةُ الموظفين مع الرواتب التي لم تعد تواكبُ غلاءَ العيش، مما جعل "البقاء" بحد ذاته إنجازاً يستحقُ التقدير.


يمثل الراتبُ في عدن اليوم أزمةً تتجاوز كونها مجرد التزامٍ مالي؛ فهي "الخيط" الرفيع الذي يربط الأسر بالاستقرار. ومع تآكل القوة الشرائية، تحول الراتبُ من وسيلةٍ للعيش الكريم إلى رقمٍ باهت يتبخرُ قبل اكتمالِ الشهر. هذا الضغط الاقتصادي ألقى بظلاله على كل مفاصل المدينة، فبات المواطن يوازنُ بين ضروريات الحياة وبين قدرته المحدودة، مما خلق حالةً من الترقبِ الدائم التي تسرقُ الطمأنينة من القلوب.


على الجانبِ الخدمي، تئنُّ عدن تحت وطأةِ بنيةٍ تحتيةٍ منهكة.


صيفها الذي يطول، يضاعف من معاناةِ الناس مع تذبذبِ الكهرباء وشحِّ المياه، في معادلةٍ صعبةٍ ترهقُ الصغيرَ قبل الكبير.


وتتفاقم هذه الأزمات في ظل التضخم الذي جعل الأسواقَ مكاناً للفرجةِ أكثر منه للتبضع، مما أثر بشكلٍ مباشر على جودةِ الحياةِ اليومية، وحولَ شوارعَ كانت تنبض بالحيوية إلى مساحاتٍ تغلبُ عليها ملامحُ الحذر والبحثِ عن سبلِ النجاة.



ورغم كل ما تمرُّ به، تظلُ عدن عصيةً على

الانكسار.

مدينةٌ تمتلكُ ذاكرةً حديديةً وتاريخاً من التعايش الذي لا يمحوه ضيقُ الرزق. المجتمعُ العدني، بتركيبتهِ التي ألفتِ الصعاب، لا يزال يقاومُ القبحَ بالجمال، واليأسَ بالأمل.


إنها تُحفرُ تفاصيلها في وجدانِ أبنائها، ليس لأنَّ الطريقَ سهلٌ، بل لأنَّ الانتماءَ لها قدرٌ يُعاشُ بكلِّ ما فيه من وجعٍ وفخر. تظل عدن تنتظرُ أن تعودَ إليها عافيتها، واثقةً أنَّ كلَّ ليلٍ، مهما طال، لا بد أن يعقبَه ضوءٌ يغمرُ ميناءها وشوارعها بالحياة.