آخر تحديث :الأحد-07 يونيو 2026-09:27م

ليبيا... سؤالُ التوطين يثير القلق

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 12:27 م
جمعة بوكليب


تعيشُ ليبيا في فوضى سياسية منذ 15 عاماً. تشدُّد الأطرافِ المتنازعة وعدم إبدائها رغبةً في تقديم تنازلات من أجل مصالحة وطنية تُعيد لليبيا وحدتها، راكمَ الأزماتِ على كافة المستويات، وأفلتَ الفسادُ من كل زمام، وأثقلَ ذلك المواطنين بأعباء لم يعودوا قادرين على تحمُّلها أو مواصلة الصمت عليها. آخر هذه الأزمات ما نقلته وسائل التواصل الاجتماعي من طرابلس، عن مظاهرة شعبية احتجاجية يوم الخميس الماضي، أمام مقر مكتب مفوضية شؤون اللاجئين في ليبيا، بمنطقة السراج جنوب غربي العاصمة. المتظاهرون أحضروا شاحنات مليئة بالرمل وأغلقوا مقر المفوضية، ثم انتقلوا إلى مقر البعثة الأممية.

المظاهرة الشعبية الغاضبة كانت ضد توطين الأفارقة في ليبيا، والمتظاهرون يتهمون مكتبَ شؤون اللاجئين بالسعي لتحقيق تلك الغاية، من خلال عمليات تسجيل اللاجئين من مختلف بلدان أفريقيا، ومنحهم بطاقات لجوء تضمن لهم إقامة رسمية في البلاد، وتمنحهم الحصول على جميع الخدمات التي توفرها المنظمة للاجئين.

وتفاقمت الأزمة بعد تصريحات منسوبة إلى مسؤولة أممية تهدد فيها كلَّ من يعتدي على مواطن أفريقي داخل الأراضي الليبية بالمساءلة القانونية، وإدراج اسمه في قوائم الممنوعين من السفر إلى دول أوروبا. في المقابل، ظهر وزير الخارجية في حكومة «الوحدة الوطنية» بطرابلس، في مقابلة على الإنترنت، مؤكداً أن مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين كان موجوداً في ليبيا قبل سقوط الحكم العسكري، ومؤكداً أن لا أحد يريد التوطين.

أزمة الوجود الأفريقي في ليبيا ليست جديدة؛ بدأت منذ عهد الحكم العسكري السابق حين تحوَّلت مرافئ صيد الأسماك على طول الساحل الليبي إلى منصات عبور للمهاجرين الأفارقة غير القانونيين نحو بلدان الساحل الجنوبي الأوروبي للبحر المتوسط، واستفحلت بعد سقوط النظام بسبب انعدام مراقبة الحدود وحراستها. تجارة تهريب البشر عبر الصحراء مربحة جداً، واستقطبت أفارقة وليبيين على حدٍّ سواء.

لم يقتصر الأمر على تنامي عمليات تهريب البشر وتوسُّعها؛ بل امتد ليشمل تهريب السلع المدعومة والأسلحة والمخدرات والأدوية والوقود بأنواعه، ولم يعد بالإمكان السيطرة على تدفق موجات المهاجرين؛ الأمر الذي اضطر دول أوروبا الجنوبية إلى عقد اتفاقيات مع شبكات تهريب البشر الليبية، بمنحها مبالغ سنوية كبيرة مقابل التخلي عن التهريب، كما أقدمت تلك الدول عبر الاتحاد الأوروبي على إقامة دورات تدريبية لأفراد جهاز خفر السواحل الليبي، وتزويده بقوارب حديثة سريعة لملاحقة قوارب المهربين وردِّ المهاجرين.

مشكلة توطين الأفارقة في ليبيا ليست هاجساً مجرداً لدى الليبيين؛ ذلك أن دول أوروبا إذ أخفقت في لجم أعداد المهاجرين الأفارقة القادمين من ليبيا وسائر دول شمال أفريقيا، سعت إلى فتح مراكز إقامة للَّاجئين خارج أراضيها، ومن بينها ليبيا، لتكون مخرجاً لأزمتها. مهمة تلك المراكز تقوم على تجميع المهاجرين وتوفير سبل الإقامة لهم، إلى أن تنظر في طلبات لجوئهم لجانٌ أمنية متخصصة مُرسَلة من تلك الدول. وقد اكتسبت مراكز احتجاز المهاجرين الأفارقة التي تشرف عليها الأجهزة الأمنية الليبية، وبعضها خاضع لسيطرة جماعات مسلحة، سمعة سيئة دولياً، جرَّاء ما يتعرض له المحتجزون من انتهاكات صارخة لإنسانيتهم.

ومن الإنصاف القول إنَّ الليبيين أنفسهم أسهموا في تفاقم الأزمة الحالية، من خلال اشتغال بعضهم بتجارة تهريب البشر من الدول الأفريقية المجاورة، وكذلك استغلالهم للأفارقة عمالةً رخيصةً في كافة الأعمال التي يأنفون من القيام بها.

المشكلة ليست في المهاجرين أنفسهم؛ فكثير منهم فرُّوا من حروب وفقر حقيقيين. المشكلة في توظيف معاناتهم الإنسانية أداة لتحقيق أهداف سياسية لا صلة لها بحقوق الإنسان، وذلك على حساب دولة لا تزال تبحث عن استقرارها.

ليبيا لم توقِّع على اتفاقية اللاجئين عام 1951، ولا تعترف قانونياً بصفة اللاجئ، بيد أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين افتتحت مكتباً لها في طرابلس بعد حرب الخليج الثانية، حسب تصريح وزير الخارجية الطاهر الباعور. والمكتب الحالي شرع في تسجيل المهاجرين، ومنحهم وثائق رسمية بصفة لاجئ تُخوِّلهم الحصول على خدمات من المنظمات الدولية العاملة في البلاد.

الإشكال القانوني -كما يقول أهل الاختصاص- هنا جوهري: حين تمنح جهة أممية وثائق رسمية على أرض دولة غير موقِّعة على اتفاقية اللاجئين ولم تفوِّضها في ذلك، فإنها تُنشئ -عملياً- منظومة موازية للدولة، وتُرسِّخ أوضاعاً لم تُقرّها أي سلطة ليبية. هذا ما دفع مجلس النواب الليبي إلى المطالبة بالتصدي لأي إجراءات تُفضي إلى توطين المهاجرين، أو المساس بالتركيبة السكانية للبلاد، وهو السبب وراء خروج الاحتجاجات الشعبية الرافضة للتوطين، وهو المسؤول كذلك عن الاعتداءات العنيفة التي يقوم بها بعضهم ضد المهاجرين الأفارقة.

والحقيقة التي لا تجاهر بها أوروبا -في رأيي- هي أن تمويلها للمفوضية والمنظمات الإنسانية العاملة في ليبيا ليس سوى وجه آخر لسياستها في إدارة الهجرة بعيداً عن حدودها؛ فما تعجز عن فعله سياسياً داخل أراضيها تُحقِّقه بالحيل خارجها. ما يفعله مكتب شؤون اللاجئين في طرابلس أمر خطير، يطول النسيج الاجتماعي الليبي برمته.