آخر تحديث :الإثنين-15 يونيو 2026-11:57ص

ضاق العيش في عدن.. الناس يتساقطون ويموتون واقفين في شوارعها.

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 12:35 م
علي منصور مقراط


أكتب وأنا مختنق، والرشح يتساقط من جسدي داخل منزلي. لا أقوى على الخروج بالسيارة من خور مكسر إلى كريتر، حتى وإن كان اجتماعًا أو لقاءً دُعيت إليه وملزمًا بحضوره. لا أمتلك منظومة طاقة أو تكييف، غير طاقة مروحة الهواء التي حولت غرفتي إلى فرن يشتعل نارًا. أحس بالتعب والإرهاق من شدة الحر، وارتفاع درجة الحرارة إلى ما فوق 43، والرطوبة 68. ماذا تبقى من رمق حياة؟

أتابع إحصائيات حالات الوفاة كل ساعة ويوم في شوارع وبيوت عدن، الناس يتساقطون ويموتون. أكثر من 18 عقيدًا وعميدًا ماتوا خلال الثلاثة الأيام، وعشرات الكوادر السياسية والأدباء والكتاب والعمالقة، خلافًا لكبار السن ومرضى السكر والضغط والكوليسترول والأطفال والنساء.

الموت يحصد البشر في عدن بصمت، مع انقطاع جنوني للكهرباء عشر ساعات مقابل أقل من ساعتين. مات صديقي المفكر العظيم سعيد عولقي بعد سقوطه داخل منزل ابنته بحي ريمي، وقبل إسعافه إلى المشفى تعرض لذبحة وهو واقف. قبل قليل وصلني خبر وفاة المناضل والشخصية الوطنية عبدالعزيز مصعبين.

حسنًا، الموت من الحر الحارق الخانق يحصد الفئات الشعبية دون أن يصل إلى المسؤولين الذين يقعدون داخل غرف النوم المكيفة والمكاتب الباردة. أيام وأسابيع وأشهر تمر دون أن تحرك السلطات ساكنًا لمعالجة انهيار الكهرباء بسبب توقف الوقود والخام والمازوت المتوفر في هذه البلاد، لكن جهات نافذة ترفض السماح بوصوله إلى محطة الرئيس هادي.

مدير كهرباء عدن م. سالم الوليدي يكاد يكون الوحيد الذي يشعر بمأساة ناس عدن الطيبين، ومعه قلة لا يتجاوز عددها الأصابع. لو يقع لهذا الشاب الوليدي لتحول إلى وقود يحترق لإنقاذ الناس الذين يموتون واقفين في شوارع المدينة. في كل لحظة وساعة ويوم تجد الجندي سالم الوليدي متحركًا ليلًا نهارًا في محطات الكهرباء، قد لا يعرف الراحة والنوم والبرود وهو مدير كهرباء.

هذه شهادة للتاريخ والأجيال لتدون مرحلة كارثية عصفت بعدن. حضرت قبل يومين اجتماعًا استثنائيًا دعا إليه محافظ عدن الأستاذ عبدالرحمن شيخ، وبجوار صديقي الدكتور المستشار محمد حسن شيخ. تكلم الحاضرون حتى شبعوا عن الكهرباء، وكنت أنصت بصمت مستمعًا، وبداخلي رأي كنت أقوله، فتحاشيت ذلك. إن كل هذا الضجيج الصاخب لا يهز الخنبشي والعرادة والبنك المركزي ومالية الحكومة. إن لم يكن بيدكم شيء تهددون به، ومقترح الدكتور محمد حسن الشيخ أقرب إلى السرعة: توقيف أي سفينة إلى المكلا في ميناء عدن، وترسيم نصف البضائع، حتى يحسوا بقليل من الخطر والتوازن.

مسكين المحافظ عبدالرحمن شيخ، يمتلك نية لإنقاذ عدن وليس لديه خبث ورعونة سلفه أحمد لملس. الفارق كبير، فهذا لديه إحساس ومشاعر بالمعاناة، والسلف كان راقدًا. نعم، الراقد لملس، وليس شيخ، حتى إنه وسلطانه قمعوا احتجاجات نساء عدن التي سمح لهن المحافظ شيخ بها.

تلقيت البارحة مقطعًا صوتيًا من خالد الذكر الرئيس علي ناصر محمد، وهو ينعي سعيد عولقي وناس عدن الذين يموتون من الحر، وهو يقول: دخلت الكهرباء عدن قبل مئة عام، وأيضًا المياه، وسيول المليارات تذهب لتجار الحروب، وباستطاعة السلطات تأمين خدمات الكهرباء طوال 12 عامًا من الحرب.

الخلاصة أنني على المستوى الشخصي أشعر بالإنهاك من شدة الحر ومرض السكر والضغط والكوليسترول، فقد فقدت نصف جسدي خلال أيام، وأحضر لسفر إن كتب لنا عمر.

تحياتي.