نشرت صحيفة عدن الغد قبل يومين تصريحًا للنائب سلطان السامعي دعا فيه إلى مصالحة وطنية شاملة تقوم على نظام برلماني وتقسيم اليمن إلى أربعة أقاليم تتمتع بصلاحيات واسعة ضمن دولة واحدة وجيش وطني موحد وشراكة في السلطة والثروة. وقد تناولنا ذلك التصريح في مقال سابق بعنوان "قراءة في مبادرة النائب سلطان السامعي"، واعتبرنا أن المبادرة، رغم إيجازها، تطرح ملامح تصور متكامل لشكل الدولة اليمنية في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي اليوم التالي نشرت الصحيفة نفسها هجومًا حادا للكاتب الحوثي هاشم الوادعي على السامعي، وصل إلى حد وصف ما يطرحه بأنه "خيانة عظمى" والدعوة إلى إبعاده من المجلس السياسي الأعلى، معتبرا أن أفكار الأقاليم والنظام البرلماني تتقاطع مع مشاريع سبق أن طُرحت من قبل خصوم جماعة الحوثي. وبعيدا عن الأشخاص، فإن أهمية هذا السجال لا تكمن في السامعي أو الوادعي بقدر ما تكمن في السؤال الذي يهم ملايين اليمنيين اليوم: إذا كانت الحرب قد عجزت عن حسم الصراع، فأين يكمن الحل؟
لم يكن أكثر ما لفت انتباهي في هجوم الوادعي هو وصفه لمبادرة السامعي بأنها مشروع تقسيم أو حتى اتهامه له بالخيانة العظمى، بل ما غاب عن حديث الوادعي أكثر مما حضر فيه.
فالرجل شن هجوما واسعا على المبادرة، لكنه لم يقدم للقارئ بديلاً واضحا يمكن أن يجيب عن الأسئلة التي تواجه اليمن اليوم. وإذا كان من حق أي كاتب أو سياسي أن يرفض مشروعا أو ينتقده، فإن من حق الرأي العام أيضا أن يسأله: ما هو المشروع البديل؟
النائب سلطان السامعي لم يدعُ إلى انفصال اليمن، ولم يطرح إقامة عدة دول متناحرة، بل تحدث عن دولة واحدة وجيش واحد ونظام برلماني واحد، مع أقاليم تتمتع بصلاحيات واسعة وشراكة في السلطة والثروة. قد يختلف الناس حول هذا التصور أو بعض تفاصيله، لكن من الصعب تجاهل أنه محاولة للإجابة على أسئلة حقيقية فرضتها عشر سنوات من الحرب والانقسام.
السؤال الذي لم يجب عنه الوادعي هو: إذا كان مشروع الأقاليم مرفوضا، فما هو شكل الدولة الذي يراه قادرا على جمع اليمنيين اليوم؟ هل هي الدولة المركزية السابقة؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا فشلت تلك الصيغة في منع الحروب والصراعات طوال العقود الماضية؟ وهل يعتقد أن القوى المسيطرة حاليا على الأرض ستتخلى ببساطة عن نفوذها وتعود إلى ما قبل عام 2014؟
وإذا كان يرفض فكرة الشراكة في السلطة والثروة، فكيف يمكن إقناع بقية القوى اليمنية بالاندماج في دولة واحدة دون ضمانات سياسية واقتصادية؟ وإذا كان يرفض النظام البرلماني، فما هو البديل؟ هل العودة إلى نموذج يتركز فيه القرار بيد طرف واحد أو جماعة واحدة؟
الأهم من ذلك أن الوادعي ركز على مهاجمة الأشخاص أكثر من مناقشة الأفكار. فبدلا من تفنيد عناصر المبادرة واحدة تلو الأخرى، انتقل إلى الحديث عن نجل السامعي وعلاقاته وتحركاته المزعومة. لكن حتى لو افترضنا جدلا صحة كل ما قيل عن الأشخاص، فإن ذلك لا يجيب عن السؤال الأساسي: هل المصالحة الوطنية والنظام البرلماني وتقاسم السلطة والثروة أفكار صحيحة أم خاطئة؟ فالأفكار لا تسقط أو تصح بناءً على القرابة العائلية أو الاتهامات السياسية، بل بناءً على قدرتها على حل المشكلات القائمة.
واللافت أن الوادعي وصف مشروع السامعي بأنه المشروع نفسه الذي عجز "العدوان" عن فرضه بالحرب ويحاول فرضه اليوم عبر السياسة. وهنا يبرز سؤال آخر يستحق التأمل: إذا كانت الحرب قد استمرت أكثر من عشر سنوات دون أن يتمكن أي طرف من فرض رؤيته كاملة على الآخرين، فلماذا يصبح البحث عن تسوية سياسية شاملة أمرا مشبوها؟ أليست السياسة هي المسار الطبيعي عندما تصل الحروب إلى طريق مسدود؟
ثم إن الحديث عن أربعة أقاليم ونظام برلماني وجيش موحد ليس حديثا جديدا بالكامل في الساحة اليمنية، بل إن كثيرا من هذه الأفكار كانت جزءا من نقاشات سياسية يمنية طويلة سبقت الحرب نفسها. بل إن جزءا منها كان حاضرا في وثائق وحوارات ومبادرات يمنية شاركت فيها قوى سياسية متعددة قبل أن تنفجر الحرب وتطغى لغة السلاح على لغة السياسة. ولذلك فإن تصويرها باعتبارها مؤامرة مستوردة يتجاهل حقيقة أن اليمنيين أنفسهم ناقشوها واختلفوا حولها منذ سنوات.
إن ما كشفه الهجوم على السامعي ربما يتجاوز شخص السامعي نفسه. فهو يكشف عن وجود نقاش أعمق داخل الساحة اليمنية حول شكل الدولة المقبلة. فهناك من يرى أن الأولوية هي الحفاظ على النموذج القائم كما هو، وهناك من يرى أن استمرار الأزمة لعقد كامل يفرض البحث عن صيغة جديدة تستوعب الجميع وتمنع عودة الحرب.
وفي تقديري أن جوهر الخلاف لا يدور حول السامعي أو الوادعي، ولا حول عدد الأقاليم أو شكل البرلمان فحسب، بل حول سؤال أكبر من ذلك كله: هل وصلت القوى اليمنية إلى قناعة بأن أياً منها لم يعد قادراً على حكم اليمن منفرداً؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فإن البحث عن الشراكة يصبح ضرورة سياسية لا تنازلاً، وتصبح التسوية الشاملة مخرجاً واقعياً لا مؤامرة.
ولهذا فإن القضية لم تعد قضية السامعي أو الوادعي، بل قضية اليمن نفسه. فبعد كل هذه السنوات من الدماء والانهيار الاقتصادي والانقسام، لم يعد السؤال من انتصر ومن انهزم، بل ما هو الشكل السياسي الذي يمكن أن يقبل به اليمنيون جميعا ويمنع أبناءهم من خوض الحرب ذاتها مرة أخرى بعد خمس أو عشر سنوات.
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي طرحته مبادرة السامعي، وهو السؤال الذي لم يجب عنه منتقدوه حتى الآن.