آخر تحديث :الأحد-07 يونيو 2026-09:27م

نهضة الأمم: من (فخ الشعار) إلى (ثقافة المشروع)!

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 05:59 م
عادل باحميد


د. عادل محمد باحميد


لم تكن الشعوبُ الفقيرةُ فقيرةً يومًا لأنها لم تملك القدرة على أن تحلم، أو كان ينقصها الطموحُ والآمال، ولم تكن بعض الأمم غارقة في المعاناة لأنها عجزت عن تأليف الشعارات ورفع الهتافات (الشعبويّة والثورجيّة)، ولا البلدان المنهكة بالحروب والأزمات كانت عاجزة عن النهوض لأنها لم يكن لديها قادة (شعبويون وثورجيّون) مفوّضون، يتقنون الحديث - باسمها - عن الحرية والاستقلال والنهوض والتنمية والإصلاح ومحاربة الفساد والعدالة والمساواة، تلك المصطلحات التي أصبحت على ألسنة الجميع، حتى الذين سلبوها من حياة الشعوب.


ووسط كل الضجيج الذي تفتعله الشعارات الرنّانة، والهتافات الصاخبة العمياء، تضيع الأسئلةُ الجوهرية الحقيقية التي كان ينبغي على الجماهير العريضة اللاهثة المنهكة الزاحفة من مكانٍ إلى مكان أن تسألها: أين المشروع؟ أين الخطة؟ أين المؤسسات؟ أين الكهرباء؟ أين التعليم؟ أين الصحة؟ اين الراتب؟ أين الاقتصاد؟ أين القانون؟ أين العدالة التي تبدأ من حياة الناس اليومية، لا من الخطب والبيانات؟ أين الطريق العملي الذي يأخذ الإنسان من الفقر إلى الكرامة، ومن الخوف إلى الأمان، ومن الانتظار إلى العمل، ومن التبعية إلى المواطنة؟.


إن الأمم لا تنهض بالشعارات، مهما كانت برّاقة، ولا تخرج من كبوتها بالهتافات، مهما كانت عالية. قد يوقظ الشعارُ شعورًا لحظيًّا، لكنه لا يبني دولة. قد يجمع الناس لحظة، لكنه لا يصنع مستقبلًا. قد يُشعل الغضبَ، لكنه لا يفتح مدرسة، ولا يبني مستشفى، ولا يوفر راتبًا، ولا يُعيد كهرباء، ولا يحفظ كرامةَ مواطنٍ، ولا يضع حدًّا لفسادٍ أو فوضى أو ظلم.


وما أكثر الذين عرفوا كيف يُخاطبون آلامَ الناس، لكنهم لم يعرفوا كيف يخففونها. وما أكثر الذين تحدثوا باسم الفقراء، ثم ازداد الفقراءُ فقرًا، بينما ازداد المتحدثون باسمهم ثراءً ونفوذًا ورفاهية. وما أكثر الذين رفعوا شعارات العدالة والمساواة، ثم جعلوا من الوطن مزارعَ خاصة، ومن الدولة غنيمة، ومن الناس جمهورًا يكتفي بالتصفيق ودفع الثمن.


المؤلم اليوم أن كثيرًا من الشعوب تُستنزف باسم قضاياها العادلة. تُدفع إلى الغضب، إلى الميادين والساحات، بل وربما المعارك، إلى الانتقام، ثم تُترك وحيدة في المعاناة. تُحشد خلف الشعارات، ثم لا تجد في نهاية الطريق إلا مزيدًا من الفقر والخوف والانقسام والمعاناة المتزايدة. بينما من صنعوا تلك الشعارات ورتبوا لها الهتافات، يعرفون جيدًا أين يكنزون ثرواتهم، وأين يخفون أموالهم، وأين يدرّسون أبناءهم، وأين يعالجون أسرهم، وأين يجدون لأنفسهم مخرجًا آمنًا إذا اشتد الخطر على الناس. وهنا تكمن الخديعة الكبرى، أن يتحوّل وجعُ الشعبِ إلى تجارة، وأن تتحوّل المظلومية إلى وسيلةٍ للسيطرة، وأن يُصبح الغضبُ الشعبي رأسَ مالٍ سياسيًا يَستثمره ويتاجر به محترفو الشعارات.


ولكي يبقى الناس في هذه الدائرة العمياء المفرغة، لا بد أن يُمنعوا من التقاط أنفاسهم، أو التفكير الهادئ واستخدام المنطق الصائب. لا بد أن تبقى عواطفهم مشتعلة، وذاكرتهم مُثقلة بالجراح، وعقولهم محاصرة بالخوف والكراهية. لذلك تُستدعى المظلومية في كل لحظة، وتُفتح جراحُ الماضي قريبه وبعيده، حتى التي قد اندملت، وتُغذَّى العصبيّات بكل أشكالها المناطقية، الحزبية، الجهوية، السلالية، والمذهبية. فالمهم لدى تجّار الشعارات ألا تُتاح فرصةٌ لدى أفراد القطيع أن يتوقفوا ليفكّروا ويراجعوا الحساب، لأنهم حينها سيسألون من يقودهم: ماذا فعلتم بنا؟ وإلى أين تأخذوننا؟.


نعم إنها ثقافة القطيعِ وسلوكه، فحين تغيب الأسئلة، يحضر القطيع. وحين يغيب العقل، تنتصر العاطفة العمياء. وحين يصبح الهتاف بديلًا عن التفكير، يصبح الشعب مجرد وقود في معارك لا يعرف نهايتها، ولا يستفيد من نتائجها، بل ويتحولون إلى حُماةٍ ومدافعين بالمجّان عن أولئك المتاجرين والمقامرين بهم، وفي ذات الوقت هم سيوفٌ وحرابٌ مُشرعة في وجه كل من يطالب بالعقل والمنطق وإن كان يريد لهم الخير والفلاح.


ليست المشكلة في أن يكون للناس ذاكرة، ولا في أن يطالبوا بالإنصاف، ولا في أن يتحدثوا عن المظالم التي أصابتهم. فالمظالم الحقيقية يجب أن تُعالج، والحقوق يجب أن تُنصف، والضحايا يجب ألا يُنسوا. لكن الفرق كبير بين معالجة المظلومية والمتاجرة بها؛ بين أن يكون الألم طريقًا إلى العدالة، وأن يصبح حبلًا تُقاد به الجماهير إلى مزيد من الصراع.


وفي بلادنا، نحن نعرف هذا جيدًا. فقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا للشعارات التي رُفعت باسمهم، وللوعود التي قيلت لهم، وللمشاريع الصغيرة التي لبست ثوب الوطن. قيل لهم إن الخلاص قريب، فطال الطريق. قيل لهم إن المعاناة من أجل المستقبل، فإذا المستقبل يبتعد ويتلاشى. قيل لهم إن التضحيات ستصنع دولة عادلة، فإذا الدولة تضعف، والمؤسسات تتآكل، والإنسان اليمني يزداد تعبًا في الداخل والخارج.


لذا لقد آن الأوان أن ننتقل من سؤال: من يرفع الشعار الأقوى؟ إلى سؤال: من يحمل المشروع الأصدق؟، من يريد دولة لكل اليمنيين؟ من يريد قانونًا فوق الجميع؟ من يريد تعليمًا حقيقيًا؟ من يريد اقتصادًا منتجًا؟ من يريد مؤسسات لا ميليشيات؟ من يريد مواطنين لا أتباعًا؟ من يريد أن يحرر الناس من الفقر والخوف والجهل، لا أن يستخدم فقرهم وخوفهم وجهلهم ليبقى فوقهم؟.


إن اليمن لا يحتاج إلى مزيدٍ من الخُطب. بل هو بحاجةٍ إلى (مشروعٍ وطني جامع). مشروع يعترف بالجراح لكنه لا يعيش عليها. يحترم التنوع لكنه لا يحوله إلى صراع. ينصف المظلومين لكنه لا يجعل المظلومية وظيفة سياسية دائمة. يعيد بناء الدولة لا يقسّمها. يحمي الإنسان لا يستخدمه. يفتح الطريق للمستقبل لا يسجنه في الماضي.


نحتاج إلى وعيٍ جديد لا يُصفّق لكل من يرفع صوته، ولا يصدّق كل من يبكي أمام الناس، ولا يتبع كل من يزعم أنه يتحدث باسمهم. نحتاج إلى شعبٍ يسأل: ماذا قدمتم؟ ماذا بنيتم؟ ماذا أصلحتم؟ أين ذهبت الأموال؟ أين ذهبت التضحيات؟ أين ذهبت الوعود؟ ولماذا تزدادون أنتم رفاهية بينما يزداد الناس بؤسًا؟، لأن هذا هو السؤال الذي تخافه تجارة الشعارات. لأن الشعارات تعيش على التصفيق، أما المشاريع فتُقاس بالنتائج. والشعارات تحتاج إلى جمهور منفعل، أما الدولة فتحتاج إلى مواطنٍ واعٍ. والشعارات تصنع زعامات متضخمة، أما المشروع الوطني فيبني مؤسسات قوية لا تتوقف على شخص ولا جماعة ولا حزب.


ولذلك، فإن أول طريق النهوض يبدأ من تحرير العقل. من أن نعيد الاعتبار للتعليم، وللقانون، وللمؤسسات، وللمحاسبة، وللعمل، وللخبرة، وللكفاءة، وللأخلاق العامة. يبدأ حين نرفض أن نكون مجرد أرقام في حشود، أو أصوات في معارك، أو وقودًا لمشاريع لا تشبه أحلامنا ولا تخدم مستقبل أبنائنا.


لا نريد وطنًا يعيش على الغضب وحده، ولا شعبًا يتحرك بالعاطفة وحدها، ولا سياسة تقوم على التخوين والكراهية. نريد وطنًا يملك مشروعًا للحياة. نريد دولة تُعيد للإنسان اليمني كرامته. نريد خطابًا يهدئ الغرائز ويوقظ العقول. نريد نخبة تقول الحقيقة، لا نخبة تزين الوهم. نريد قيادات تخاف على الناس، لا قيادات تخيف الناس كي تتبعها.


لقد تعبت اليمن من الشعارات. وتعب اليمنيون من الوعود. وتعبت الأمهات من انتظار الغائبين، والآباء من مطاردة لقمة العيش، والشباب من ضياع المستقبل، والطلاب من غياب الفرص، والمرضى من أبواب المستشفيات العاجزة، والموظفون من رواتب لا تأتي، والمغتربون من حمل وطنهم في قلوبهم وهم يهيمون في سراب.


ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال ممكنًا، لكن ليس بالأمنيات. فـما نيل المطالب بالتمني، ولا تُبنى الأوطان بالهتاف، ولا تتحقق العدالة بالخطابات. إنما تُبنى الأوطان بالوعي والعمل، بالمشروع لا بالشعار، بالعقل الجمعي الحر المبتكر، لا بعقل القطيع التابع، بالمواطنة لا بالعصبية، وبالدولة لا بالفوضى.


حين يصبح الوطن أكبر من الحزب، والإنسان أكرم من الشعار، والعقل أقوى من الغضب، والمشروع أوضح من الهتاف، عندها فقط يمكن أن تبدأ نهضة حقيقية. أما قبل ذلك، فسنظل ندور في الحلقة ذاتها: شعبٌ يدفع الثمن، وتجّارُ شعاراتٍ يزدادون ثراءً ويُتاجرون بآلامه.