لم يعد الاختبار الحقيقي لوعي المجتمعات اليوم يُقاس بمدى قدرتها على التصدي للمدافع والمُسيّرات فحسب، بل في مدى مقاومتِها لـ «جرعات الكذب» التي تُطبخ بعناية في غرفٍ مظلمة، وتُقدّم للجمهور على أنها «وقائع».
ما جرى في ليلة السقوط الافتراضي لمطار «الريان» لم يكن سوى بروفة لعرضٍ رديء الإخراج، وامتدادٍ لمحاولات بائسة تهدف إلى صناعة «زوابع»؛ تكشف بوضوح المأزق الأخلاقي والنفسي لجهاتٍ فقدت مصالحها وتوارت عن المشهد.. فبعد أن أفلست هذه القوى في الميدان، قررت استثمار ما تبقى لها من نفوذ في «معامل التضليل»، واهمةً أن السكينة العامة يمكن زعزعتها بمنشور «فيسبوكي»، وأن أمن بلدٍ بأكمله يمكن أن يسقط بـ «حسابٍ مبرقع».
وأمام سيل هذه الفبركات، لم تعد مسؤولية حماية السلم الأهلي حكرًا على الأجهزة الأمنية والعسكرية — التي تثبت يوميًا أنها في وادٍ وشائعات المطابخ في وادٍ آخر — بل أصبحت المسؤولية اليوم فرض عين على المواطن نفسه.. ومع ذلك، فإن المفهوم الحقيقي لـ «التحصين المجتمعي» لا يكتمل بخوض معارك عبثية ضد «الذباب الإلكتروني» المهزوم، ولا بالانجرار خلف شعارات رنانة وخطابات متكلفة، أو فتح دكاكين إعلامية بلا صدى؛ بل ينبع أساسًا من وعي شعبي حقيقي، يقابله تعامل صادق ومسؤول من قِبل صناع القرار مع هذا الشعب الصابر الذي ثبت وقت النزال.
إن أفضل طريقة لترجمة هذا الثبات المجتمعي، وتحصينه ، هي إحداث تحسن ملموس في الملفات الخدمية التي أرهقت كاهل المواطنين، وعلى رأسها ملف الكهرباء.. فمعالجة القصور في هذه الملفات الحيوية تتطلب تدخلًا إنقاذيًا ملحًّا لانتشال أوضاعها المتدهورة ؛ إذ يمثل هذا التحرك الرد الأقوى والأقل تكلفة، والضمانة الحقيقية لقطع الطريق نهائيًا على من يحاول استغلال معاناة الناس وآلامهم لتمرير مشاريع التخريب وإشاعة الفوضى.
وحينها فقط، وفور أن يلمس المواطن تحسنًا حقيقيًا في واقعه الخدمي والمعيشي، ستتحول جيوش التضليل إلى رماد، وتنكفئ مطابخ التزييف وتخمد نيران شائعاتها تلقائيًا.