آخر تحديث :الأحد-07 يونيو 2026-09:27م

دور المثقف اليمني في هدم أصنام التصنيف الطبقي

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 08:04 م
علوي سلمان


التصنيف الطبقي في اليمن صنم قديم، نحته الخوف قبل ما تنحته العادة، ولبّسوه ثوب القبيلة والدين زوراً. صنم يقسم الناس قبل ما يتكلموا، ويحكم عليهم بمهنة أبيهم قبل ما يسأل عن عقلهم. والمثقف اليمني اليوم واقف أمام هذا الصنم، لا يقدر يهرب منه لأنه من لحم هذا المجتمع ودمه، ولا يقدر يسكت عنه لأن الصمت خيانة للعقل وللدين وللإنسان. المثقف ابن قبيلة، سواء كانت يسمونها "رفيعة" أو يسمونها "وضيعة"، وهذا الانتماء سيف ذو حدين. لو تكلم وهو من قبيلة "رفيعة" اتهموه ببيع الأصل والهروب من الثوابت، وقالوا له تريد تهدم ما بناه الآباء. ولو تكلم وهو من عائلة تمتهن الحلاقة أو الجزارة أو بيع الخضار اتهموه بالتحيز والدفاع عن النفس، وقالوا صوته مجروح ومصلحته في كلامه. فصار المثقف بين مطرقة الانتماء وسندان النقد، وكثير اختاروا الصمت ليس جبناً بل لأن الثمن غالي: قطيعة، نبذ، تهديد، وأحياناً دم.

لكن التاريخ ما يذكر الصامتين، يذكر اللي كسروا حاجز الخوف ولو بكلمة. محمد عبدالولي كتب عن المهمش في رواياته فجعل القارئ يرى وجهه. عبدالله البردوني هجى الغطرسة بشعره فجعلها تضحك على نفسها. عبدالعزيز المقالح جادل بالقلم فجعل العقل يحكم لا العصبية. هؤلاء لم يهاجموا القبيلة، لأن القبيلة في اليمن ليست مرضاً، القبيلة أمان ونجدة وعزوة وقت الشدة. هم هاجموا الفكرة التي ركبت على ظهر القبيلة، هاجموا الغطرسة التي لبست عباءة النسب. وفرق كبير بين نقد الفكرة وهجوم الشخص. نقد الفكرة يترك الباب مفتوحاً للحوار، أما هجوم الشخص يقفل كل الأبواب ويحول القضية من بحث عن حق إلى معركة كرامة لا تنتهي.

مسألة الزواج بين القبائل وأصحاب المهن التي يسميها الناس "محتقرة" هي أوضح مظهر لهذا الصنم. أصل الفكرة ليس من الدين، بل من الجاهلية الأولى. العرب قبل الإسلام كانوا يرون أن المهن التي فيها دم أو تعامل مباشر مع الناس تنقص من المروءة، فصنفوا الناس طبقات. جاء الإسلام فهدم هذا البنيان من القواعد. النبي ﷺ قال في حجة الوداع كلاماً ينسف كل تصنيف: لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. ورفع بلالاً العبد الحبشي فجعله مؤذن السماء، وقرّب عمار بن ياسر ابن الأمة، وأدخل سلمان الفارسي في أهل البيت. وسأل الصحابة: من النجار الذي سوى لي المنبر؟ فكان رجلاً من الموالي. الدين لم يسأل عن المهنة ولا عن اللون ولا عن طول النسب، سأل عن القلب وعن العمل وعن الخلق.

لكن في اليمن تسربت عادات مناطقية ومذهبية متأخرة، فتحدث بعض الفقهاء عن "الكفاءة في النسب" كشرط استحباب في الزواج لضمان دوام العشرة، لا كشرط تفضيل بين البشر. فأخذها الناس وقلبوها من استحباب إلى تحريم، ومن نصيحة إلى قانون حديدي. ولبّسوا العادة لباس الدين، والدين منها بريء. الدين يقول إن أكرمكم عند الله أتقاكم، والناس تقول إن أكرمكم عندنا أطولكم نسباً. وهنا وقع الخلل، وهنا صار الصنم.

وليسأل سائل: لماذا المجتمع أقوى من صوت المثقف ومن نص الدين أحياناً؟ الجواب أن القوة هنا ليست قوة حق، بل قوة خوف وحاجة. القبيلة حين غابت الدولة صارت هي الدولة. هي التي تؤمن لك الطريق، وتحكم بينك وبين خصمك، وتقف معك في العزاء والفرح. فالناس يتمسكون بأي شيء يحافظ على هذا الكيان حتى لو كان فيه ظلم، لأن البديل هو الفوضى. المثقف صوته فرد، والدين موعظته كلمة، لكن العادة القبلية عندها سلاح وأرض ونسب وضغط اجتماعي يومي يمارس على الأب والابن والبنت. فطبيعي أن تكون أقوى في المدى القصير.

لكن الأصنام لا تهدم بالضجيج، تهدم بالصبر والقدوة. دور المثقف ليس أن يهدم القبيلة، فالقبيلة فخر ونخوة وشهامة. دوره أن يهدم الغطرسة التي تشوه القبيلة. ودوره يبدأ بثلاثة أشياء لا رابع لها. أولها القدوة العملية. لا شيء يكسر الصنم أسرع من شيخ قبيلة كبير يزوج ابنته لرجل تقي من عائلة حلاقين، ولا شيء يفضح الوهم أسرع من قاضٍ أو ضابط أو دكتور أصله من "المزاينة" فيفرض احترامه بعلمه قبل نسبه. الفعل يهدم ألف حاجز، والخطابة لا تهدم إلا جدار الكلام. ثانيها تعليم البنات. البنت المتعلمة لا تقبل أن تقاس بمهنة أبيها، وهي التي ستربي الجيل القادم، وهي التي ستختار زوجها، وهي التي ستعلم ابنها أن الكرامة لا تورث ولا تشترى. وثالثها استعادة الدين إلى المسجد والمنبر. لو أن كل خطيب جمعة بدل أن يحبس الدين في أحكام الوضوء والطهارة، ذكّر الناس كل أسبوع بآية إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وذكرهم بقص الصحابة الحدادين والنجارين والعبيد الذين صاروا سادة، لترسخ في الوعي أن الميزان ميزان الله وحده.

هل الوضع ميؤوس منه؟ لا. قارن اليمن اليوم بيمن الأربعين سنة الماضية. قبل أربعين سنة كان الحلاق لا يدخل ديوان الشيخ. اليوم هناك أطباء ومهندسون وأساتذة جامعة وضباط أصلهم من العائلات التي كان يشار إليها بازدراء، وقد فرضوا احترامهم على المجتمع بعلمهم وأخلاقهم فأسكتوا الألسن. التغيير يمشي، لكنه يمشي مشي السلحفاة لا مشي الصاروخ. والسلحفاة تصل، وتصل وهي حية.

في الأخير، على المثقف أن يدرك أن معركته ليست ضد الناس، بل ضد وهم في رؤوس الناس. وأن يقول بكل وضوح: أنا قبيلتي وأفتخر بها، لكن فخري لا يعطيني حق إذلال إنسان. وأنا مسلم أقف بين يدي الله خمس مرات كل يوم، فكيف أجرؤ وأنا أقف بين يديه أن أضع ميزاناً غير ميزانه؟ المجتمع قوي، نعم، لكنه ليس أقوى من الحق. والحق بطيء لكنه يمشي، والباطل سريع لكنه يطيح. ودور المثقف أن يصبر على بطء الحق، ويذكّر به كل يوم، مرة بحكمة، ومرة بقصة، ومرة بموقف، حتى يأتي اليوم الذي يصبح فيه عيباً أن تسأل الرجل "من أي قبيلة أنت؟" قبل أن تسأله "ماذا تقدم للناس؟".