آخر تحديث :الأحد-07 يونيو 2026-10:57م

امتحان بلا كهرباء وجيل بلا مدرسة

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 09:34 م
نجيب الكمالي


قبل أن نطلق أحكامًا جاهزة على طلاب يكافحون من أجل البقاء في سباق التعليم لنتأمل المشهد كما هو لا كما نريده أن يكون

من يصف امتحانات الثانوية العامة في عدن والمحافظات المحررة بأنها لا تقوم إلا على الغش ويعتبرها مجرد مهزلة قد يغفل عن قصد أو دون قصد حجم المعاناة الحقيقية التي يعيشها آلاف الطلاب وأسرهم يوميًا

فكيف يمكن لطالب أن يستعد لامتحانه في ظل انقطاع الكهرباء لساعات طويلة تصل إلى عشرين ساعة يوميًا وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية وغياب أبسط مقومات البيئة الدراسية المناسبة

وليس هذا فحسب فهؤلاء الطلاب أنفسهم حرموا من الدراسة المنتظمة لأعوام بسبب إضرابات المعلمين المتكررة وتوقف الرواتب فكيف يطلب منهم اليوم تحقيق مستويات تعليمية مثالية بينما غابت المدرسة عن حياتهم لفترات طويلة وكيف يحاسبون على مناهج لم تستكمل دراستها إنها محاكمة للضحية بدلًا من محاسبة المتسبب في الأزمة

المشكلة ليست في الامتحانات بحد ذاتها ولا في رغبة الطلاب في النجاح بل في الظروف الاستثنائية التي تحيط بهم آلاف الطلاب يراجعون دروسهم على ضوء الهواتف المحمولة أو المصابيح الصغيرة حتى تنفد بطارياتها فيجدون أنفسهم عاجزين عن مواصلة المذاكرة

قد تحدث حالات غش في أي بيئة امتحانية لكن اختزال واقع آلاف الطلاب في كلمة مهزلة يتجاهل جوهر المأساة فالطالب الذي يذاكر في الظلام وتحت وطأة الحر الشديد والمحروم من التعليم المنتظم والخدمات الأساسية لا يمكن مقارنته بغيره ممن تتوفر لهم ظروف تعليمية مستقرة

الأسر بدورها تعيش حالة من القلق المستمر ليس فقط بسبب الامتحانات بل بسبب تراكم الأعباء الاقتصادية والخدمية والنفسية فهناك مرضى يحتاجون إلى الكهرباء وأمهات يحاولن توفير أجواء مناسبة لأبنائهن وأسر تكافح يوميًا للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار

من حق الطلاب أن يؤدوا امتحاناتهم ومن واجب الجهات المعنية أن توفر لهم الحد الأدنى من الظروف التي تكفل تكافؤ الفرص وإذا كانت هناك اختلالات في العملية الامتحانية فإن معالجتها تبدأ بمعالجة أسبابها الحقيقية لا بإلقاء اللوم على الطلاب

التعليم هو استثمار الأمة في مستقبلها وأي تهاون في حماية هذا الحق ينعكس على مستقبل المجتمع بأكمله إن الحديث عن معاناة الطلاب ليس تبريرًا للغش أو التقصير بل دعوة صادقة لتحمل المسؤولية وإنقاذ جيل يواجه ظروفًا استثنائية لم يخترها بنفسه

فالأوطان لا تبنى بالشعارات بل بأجيال متعلمة وقادرة على النهوض بمسؤولياتها وإذا كان هذا الجيل يواجه اليوم امتحانًا في قاعة الدراسة فإنه يواجه في الوقت ذاته امتحانًا أشد قسوة فرضته عليه الظروف

لذلك فليحاسب المقصرون لا الضحايا