كُلُّ القَوَافِي خَاصَمَتْنِي، وَكُلُّ أَحْرُفِ العُرْبِ أَصْبَحَتْ فِي خِيفَةٍ وَهَلَعٍ لِمَا تَحْمِلُهُ مُفْرَدَاتِي مِنْ قُوَّةِ المَعْنَى الَّذِي يَكَادُ أَنْ يُهَشِّمَ رُسُومَاتِهَا، وَأَنَا الَّذِي عَاهَدْتُهَا يَوْمًا أَلَّا أُحَمِّلَهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا! وَتِلْكَ الصَّفَحَاتُ الَّتِي تَعَبَّثْتُ بِهَا يَوْمًا لَمْ تُطِعْنِي سُطُورُهَا، وَلَمْ تَتَقَبَّلْ أَحْرُفِي عَلَى الوَرَقِ!
وَذَهَبَ قَلَمِي المَجْنُونُ يَكْتُبُ عَلَى إِيقَاعِ وَتَرِي السَّكْرَانِ، وَأَنَامِلِي العَذْرَاءُ تَتَرَاقَصُ عَلَى أَنْغَامِ وَطَنٍ؛ فَهَلْ يَا تُرَى قَوْمِي يَفْقَهُونَ تَرَانِيمَ الحَدِيثِ؟ كُلُّ هَذَا وَأَنَا أَعْزِفُ أَجْمَلَ التَّرَانِيمِ لِهَذَا الوَطَنِ.
يَا حَفِيدَةَ بِلْقِيسَ اعْذُرِينِي، فَوَطَنِي هُوَ الَّذِي أَبْكَانِي وَأَبْكَى حَنِينِي، وَحَجَبَنِي عَنْهُ مُرْجِفُو المَدِينَةِ، وَكَتَمْتُ أَنِينِي، وَحَارَبُونِي بِكُلِّ الطُّرُقِ وَالوَسَائِلِ وَلَا أُبَالِي!
وَطَنِي.. لَا أُخْفِي عَلَيْكَ أَنَّهُمْ بَاعُوكَ فِي سُوقِ النَّخَاسَةِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَأَنْتَ صَاحِبُ العِزَّةِ وَالسِّيَادَةِ، سَتَظَلُّ خَوَاطِرِي حُبْلَى دُونَ أَنْ يَمْسَسْهَا غَيْرُ عِزَّتِكَ وَقَدَاسَتِكَ.
فَهَلْ لِي مِنْ وَطَنٍ أَعِيشُ فِيهِ بِكُلِّ فَخْرٍ وَرِفْعَةٍ؟ أَمْ أَنَّ مَصَالِحَ عَرَبِ الصَّحْرَاءِ اسْتَعْبَدَتْهُ، وَصَارَ رَاعِيًا لِإِبِلِ أَبِي لَهَبٍ، وَحَارِسًا لِكُنُوزِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ؟!
هَلْ لِي بِوَطَنٍ بَعْدَ أَنْ بَاعَ الكُلُّ هُوِيَّتَهُ -وَلِلْأَسَفِ- ابْتِغَاءَ الدَّرَاهِمِ وَحَيَاةِ التَّرَفِ؟ أَمْ أَنَّ ذَا يَزَنَ، وَتُبَّعًا، وَبِلْقِيسَ أُسْطُورَةٌ مِنْ أَسَاطِيرِ العَرَبِ غَدَتْ حَبِيسَةَ المُهْمَلَاتِ وَالتَّلَفِ؟
وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَصُومَ قَلَمِي وَتَخْرَسَ أَحْرُفِي! فَسَأَظَلُّ أَكْتُبُ عَلَى وَرَقِ الزَّيْتُونِ بِحُرُوفِ الفُرْسِ وَالرُّومَانِ: إِمَّا أَنْ يَعُودَ وَطَنِي، أَوْ يَقِفَ الزَّمَانُ!