لم يكن خروج المغترب اليمني من بلاده نزهة أو ترفاً، بل كان هروباً من واقع الحروب الأليمة والأزمات الطاحنة التي عصفت باليمن لسنوات طويلة. خرج هذا العامل يحمل على عاتقه أحلام وأقوات أسرة كاملة في الداخل تعتمد عليه اعتماداً كلياً؛ أسرٌ في القرى والمدن اليمنية تنتظر تحويلاته بفارغ الصبر لتأمين "قوت ليلتها". ولكن، في أرض الاغتراب، تحولت رحلة البحث عن لقمة العيش إلى معركة يومية مع التزامات مالية لا ترحم، توجتها مؤخراً أنظمة الفحوصات الطبية الصارمة التي باتت تشكل كابوساً يؤرق مضاجع اليمنيين.
ثالوث المعاناة المالية المكتب، الكفيل، والضريبة
يدخل العامل اليمني إلى المملكة وهو محمل بالديون والهموم، ليجد نفسه أمام جدار من الالتزامات التي تلتهم عرق جبينه:
ديون المكاتب والفيزا: تبدأ المعاناة من اليمن، حيث يضطر العامل لبيع ما يملك أو الاستدانة بمبالغ خيالية لدفع قيم التأشيرة ومعاملات المكاتب والوكالات.
المقابل المالي والضرائب: مع القوانين الجديدة ورؤية 2030، تضاعفت رسوم تجديد الإقامات والمقابل المالي السنوي، وهو ما يفرض على العامل توفير مبالغ باهظة كل عام، مما يقلص المبالغ التي يرسلها لأهله.
إتاوات نظام الكفالة: رغم التعديلات القانونية، لا يزال الكثير من العمال يقعون تحت رحمة كفلاء يطالبونهم بمبالغ مقطوعة دورياً للسماح لهم بالعمل، مما يجعل العامل "شاقياً" للكفيل والمكتب والضريبة قبل أن يكون شاقياً لنفسه وأولاده.
معضلة الفحوصات الطبية.. منقصة اليمني وسيف الترحيل
جاءت التحديثات الأخيرة بشأن تشديد الرقابة الرقمية على الفحوصات الطبية عبر المنصات الإلكترونية، لتزيد الطين بلة وتكون بمثابة المنقصة الكبرى" للعامل اليمني
الخروج النهائي الآلي: النظام الرقمي اليوم لا يعرف الإنسانية ولا ينظر لظروف الحرب في اليمن فبمجرد ظهور عينة فحص طبي غير لائق بسبب عارض صحي أو مرض مزمن أو فيروس، يتم تجميد الإقامة فوراً ويصدر بحقه قرار "خروج نهائي".
تبخر الآمال والدخول في نفق مظلم: هذا القرار الصادم يعني تحطم أحلام العامل في لحظة واحدة. يعود إلى اليمن بجيوب فارغة، وبدلاً من أن يكون المنقذ لأهله، يعود مريضاً يحتاج إلى علاج مكلف في بلد مدمر صحياً ولا توجد فيه مستشفيات مؤهلة، مما يضاعف مأساته ومأساة أسرته.
البُعد الإنساني.. أسر تنتظر
خلف كل مغترب يمني في المملكة قصة عائلة كاملة في الداخل:
الضغط النفسي الرهيب: يعيش العامل تحت وطأة رعب مستمر؛ فهو لا يخاف من المرض بحد ذاته، بل يخاف من "الفحص الطبي" الذي قد يقطع رزقه ورزق أولاده. هذا الخوف يدفع الكثيرين لتجنب المستشفيات الرسمية والتداوي بالمسكنات خوفاً من الأنظمة الرقمية.
صدمة الداخل: عندما يُرحل العامل بسبب عجز طبي، تصاب الأسرة المنتظرة بانتكاسة معيشية ونفسية كبرى؛ فالأب أو الأخ الذي كان يمثل "الأمان الاقتصادي" لهم، يعود مكسور الجناح، لتتحول العائلة من حالة الانتظار والرجاء إلى حالة الفقر الشديد والعجز.
إن المغترب اليمني الذي قدم إلى المملكة من وسط الركام والحروب، وصمد لسنوات طوال شاقياً ومكافحاً، يستحق لفتة خاصة تراعي خصوصية الوضع اليمني الراهن. إن الأنظمة والقوانين الطبية وإن كانت ضرورية لحماية المجتمع المضيف، إلا أن تطبيقها بشكل آلي وصارم دون النظر للجانب الإنساني وحقوق العمالة التي أفنت أعمارها في البناء، يعد إجحافاً كبيراً.
المطالب الأساسية المؤملة:
استثناء العمالة اليمنية بمهل علاجية: إعطاء العمال الذين تظهر فحوصاتهم "غير لائقة" فرصة كافية لتلقي العلاج داخل المملكة على نفقة التأمين الصحي، بدلاً من الترحيل الفوري المباغت.
ضمان تصفية المستحقات: عدم السماح بترحيل أي عامل طبيّاً إلا بعد التأكد القانوني من استلامه لكامل مستحقاته المالية ومكافأة نهاية الخدمة، لكي لا يعود لوطنه مفلساً ومريضاً معاً.
مراعاة الوضع الإنساني لليمن: النظر بعين الأخوة، والعروبة، والجوار للوضع الكارثي في اليمن، وتخفيف قيود الرسوم والفحوصات على العمالة التي تمثل تحويلاتها شريان الحياة لـ من الأسر في الداخل.
تحياتي لك ولرفعة قلمك ونبضك الإنساني الحاضر دائماً مع أبناء وطنك.