يا وطني الحبيب...
نحن الذين حملناك في القلوب قبل أن نحملك على الأكتاف، ونحن الذين رددنا اسمك في السراء والضراء، وفي ساحات القتال كما في ميادين العمل والبناء. نحن الذين إذا نادى المنادي للوطن لبينا، وإذا اشتد الخطب قدمنا أرواحنا فداءً لترابك الطاهر.
لكن دعني أسألك اليوم، أيها الوطن العزيز: هل لنا عليك حق كما لك علينا حق؟
أليس من حق المواطن الذي يدافع عن وطنه أن يعيش فيه بكرامة؟ أليس من حقه أن يجد وظيفة تحفظ له ماء وجهه، ومستشفى يداوي ألمه، ومدرسة تعلم أبناءه، وسقفاً يأويه من قسوة الحياة؟
يا وطني...
نحن لا نمن عليك بحبك، فحب الوطن عقيدة راسخة في النفوس، ولا نمن عليك بالتضحية، فالدفاع عنك شرف لا يضاهيه شرف. ولكننا نتساءل بحسرة: لماذا أصبح الطريق إلى الحقوق محفوفاً بالمحسوبية والوساطات؟ ولماذا صار الشريف والنزيه وصاحب الكفاءة آخر من يُنظر إليه، بينما يتصدر المشهد المقربون وأصحاب النفوذ مهما كانت مؤهلاتهم؟
يا وطني...
كم من شاب أفنى سنوات عمره بين الكتب والجامعات، يحمل الشهادات والخبرات والأحلام، ثم وجد أبواب الوظيفة موصدة في وجهه لأنها فُتحت لغيره قبل أن يصل إليها. وكم من أبٍ عاد إلى منزله منكسر الخاطر لأنه لم يستطع توفير لقمة العيش لأطفاله، بينما يرى خيرات الوطن تتوزع بين قلة من المنتفعين.
لقد أصبح المشهد مؤلماً...
جملٌ يعصر حتى يذبل من التعب، وجملٌ آخر يأكل العصار دون أن يبذل جهداً أو يقدم تضحية. فئة تدفع الثمن، وفئة تجني الثمار. فئة تحرس الوطن، وأخرى تتقاسم خيراته.
يا وطني...
ما زلنا نحبك رغم الوجع، ونحلم بك رغم الخيبات، ونؤمن أن العدالة ستعود إلى ربوعك يوماً ما. فما قيمة الأوطان إن لم تكن مظلة للجميع؟ وما قيمة الاستقلال والسيادة إذا كان المواطن عاجزاً عن نيل أبسط حقوقه؟
إن الوطن الحقيقي ليس قصور المسؤولين ولا مواكب أصحاب النفوذ، بل ذلك العامل البسيط الذي يكدح من أجل أسرته، وذلك الجندي الذي يقف في المتارس، وذلك المعلم الذي يبني الأجيال، وذلك الطبيب الذي يسهر على مرضاه.
يا وطني...
سنبقى أوفياء لك ما حيينا، وسنظل نحملك في القلب مهما أثقلت الجراح أرواحنا. لكننا نرجوك أن تتسع لكل أبنائك، وأن تكون العدالة فيه ميزاناً لا يميل، وأن يصبح معيار التقدم هو الكفاءة والنزاهة لا القرابة والولاء.
فالأوطان لا تنهض بالمحسوبيات، ولا تبنى بالمجاملات، وإنما ترتفع بسواعد أبنائها جميعاً حين يشعر كل واحد منهم أن له في هذا الوطن مكاناً وحقاً ومستقبلاً.
وختاماً...
يا وطني، سنبقى نحرسك بأرواحنا، لكننا نحلم أن تحتضن أبناءك بالعدل كما يحتضنونك بالوفاء، وأن تمنحهم الكرامة كما يمنحونك التضحية، فالوطن الذي يعطي أبناءه حقوقهم هو الوطن الذي يضمن ولاءهم ومحبتهم إلى