آخر تحديث :الإثنين-08 يونيو 2026-02:01م

ثورة الفُرُش... حين نامت الحكومة في الظل ونام الشعب في الشارع!!

الإثنين - 08 يونيو 2026 - الساعة 12:00 م
د. سعيد سالم الحرباجي


في عدن....

لم تعد الكهرباء خدمةً عامة، بل أصبحت كائنًا أسطوريًا يتحدث الناس عن وجوده كما يتحدثون عن المدن المفقودة والكنوز المدفونة.

يسمعون عنه كثيرًا، لكنهم لا يرونه إلا لمحاتٍ عابرة، كضيفٍ ثقيل المزاج، يزور الناس دقائق ثم يفرّ تاركًا خلفه عرقًا وحرقةً وأعصابًا محترقة.

أما الحكومة فقد نجحت في ابتكار نظرية جديدة في إدارة الأزمات تقوم على مبدأ بسيط: إذا تجاهلتَ المشكلة طويلًا، ربما تتعب هي من نفسها وترحل!!!!؟؟؟؟؟

ولأن الكهرباء غابت، خرج المواطنون إلى الشوارع لا حاملين السلاح ولا رافعين الشعارات الثورية......

وإنما حاملين فرشهم ووسائدهم وأطفالهم، معلنين ميلاد ثورة من نوع جديد...

ثورة لا تُشعلها البنادق، بل يشعلها انقطاع التيار، ولا تقودها الأحزاب، بل يقودها الحر والاختناق واليأس.

لقد تحولت الأرصفة إلى غرف نوم جماعية، وتحولت السماء إلى سقفٍ إجباري، بينما صار الإسفلت الملتهب أرحم من الجدران التي تحولت إلى أفران مغلقة.

وفي المقابل...

يبدو أن بعض المسؤولين قد بلغوا مرتبةً متقدمة من "السكينة الإدارية" فلا بيان يهدئ الناس، ولا خطة تطمئنهم، ولا ظهور يشرح لهم ما يجري، وكأن الصمت أصبح أحد المشاريع الاستراتيجية للدولة.

أما محافظ عدن...

الشيخ عبدالرحمن شيخ، فيبدو وكأنه اختار الانضمام إلى مدرسة "الإدارة بالصمت"، حيث لا يُرى إلا في المناسبات الرسمية، بينما تذوب المدينة تحت شمس الصيف، ويذوب معها ما تبقى من ثقة الناس بمؤسساتهم.

حتى ليخال المرء أن الرجل قد أخذ بالمثل الشعبي القائل: "ضع في أذنٍ طينًا، وفي الأخرى عجينًا"، حتى لا يزعجه أنين الأطفال ولا صرخات المرضى ولا دعوات الشيوخ الذين ينتظرون نسمة هواءٍ باردة فلا يجدون إلا لفحات الجحيم.

فأي مفارقة هذه؟؟؟؟!!!!!

مدينة كانت تُعرف بأنها بوابة اليمن البحرية، أصبحت اليوم تبحث عن مروحة تعمل، وعن ساعة كهرباء تُعيد إليها شيئًا من الحياة.

مدينةٌ كانت تستقبل السفن، أصبحت تستقبل موجات الحر والعجز والوعود المؤجلة.

والمؤلم أن المواطن لم يعد يطالب بالمستحيل، ولا بمحطات نووية، ولا بمشاريع خيالية؛ إنه يطالب فقط بأن ينام أطفاله دون اختناق، وأن يعمل جهاز التنفس في المستشفى، وأن يحفظ الطعام في الثلاجة أكثر من ساعات معدودة، وأن يعيش حياةً تليق بإنسان في القرن الحادي والعشرين.

إن استمرار هذا المشهد لا يمثل أزمة كهرباء فحسب، بل أزمة إدارة، وأزمة إحساس بالمسؤولية، وأزمة تواصل مع الناس، وأزمة انعدام ضمير !!!

فحين يخرج المواطن من بيته لأن بيته أصبح أشد حرارةً من الشارع، فإن الخلل لم يعد في الأسلاك والمحطات، بل في منظومةٍ كاملة فقدت قدرتها على سماع صوت المجتمع.

ويبقى السؤال الذي يطوف في شوارع عدن مع كل ليلة مظلمة: هل تحتاج الحكومة إلى انقطاع الكهرباء عنها هي أيضًا، حتى تدرك حجم المأساة؟

أم أن المواطن سيظل يدفع فاتورة الفشل، بينما يكتفي المسؤولون بمشاهدة المشهد من خلف المكاتب المكيفة؟

إن المدن لا تموت بالحروب وحدها، بل تموت أيضًا حين يصبح الصمت الرسمي أطول عمرًا من معاناة الناس، وحين يشعر المواطن أن شكواه لا تجد بابًا مفتوحًا، ولا أذنًا تسمع، ولا قلبًا يتحرك.

وفي الختام، لم يعد لدى المواطن العدني ما يرفعه إلى المسؤولين بعد أن أغلقت الأبواب، وخذلته الوعود، وتبخر الكلام في هواء الصيف اللاهب، فلم يبق له إلا أن يرفع بصره إلى السماء، حيث لا تضيع الشكوى ولا يخيب الرجاء.

اللهم يا جبار السماوات والأرض، يا من لا يخفى عليك أنين المظلومين ولا دموع المحرومين، إليك نشكو ما نزل بالعباد من ضيقٍ وعناء، وما أصاب الأطفال والمرضى والضعفاء من مشقةٍ لا يعلم مداها إلا أنت.

اللهم إن كان في الناس من ظلم عبادك، أو خان الأمانة، أو قصّر في حقوقهم، أو تسبب في زيادة آلامهم وهو قادر على رفعها، فأره عدلك الذي لا يرد، وخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، واجعل تدبيره عليه، وردّ كيده في نحره، ولا تمكنه من ظلم عبادك، واجعل فيه عبرةً لكل من استهان بحقوق الناس وآلامهم.

اللهم اقتص للمظلوم من الظالم بحكمتك وعدلك، لا بظلمٍ ولا بعدوان، وأرنا في كل مفسدٍ آيةً من آيات قدرتك، ترد بها الحقوق إلى أهلها، وتجبر بها قلوب المنكسرين، وتطفئ بها نار القهر في صدور المستضعفين.

اللهم اجعل لأهل عدن من ضيقهم فرجًا، ومن كربهم مخرجًا، ومن لهيب الحر بردًا وسلامًا، واكتب لهم رحمةً من عندك تغنيهم عن رحمة الخلق، فإنك نعم المولى ونعم النصير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.