آخر تحديث :الإثنين-08 يونيو 2026-09:07م

حين أصبح الرصيف أرحم من البيت

الإثنين - 08 يونيو 2026 - الساعة 05:43 م
أمة الرحمن العفوري


في المدن التي أرهقتها الحروب لا تبدأ الانتفاضات دائمًا من الساحات ولا من خلف المنصات السياسية. أحيانًا تبدأ من عتمة بيت ومن مروحة متوقفة ومن أم تقضي الليل تراقب أطفالها تحت وطأة الحر ومن مواطن وجد الرصيف أرحم من منزله.


اليوم تخرج عدن إلى الشارع تحت شعار "ثورة الفراشات". صورة تختصر حجم المأساة أكثر من آلاف الخطب والبيانات. حين يقرر الناس حمل فراشهم والنوم في العراء فذلك إعلان واضح بأن الحياة داخل البيوت أصبحت أكثر قسوة من الشارع نفسه.


الفراش الذي ارتبط بالراحة تحول إلى أداة احتجاج. والرصيف الذي كان ممرًا للعابرين أصبح ملاذًا للناس. مشهد يفضح فشلًا متراكمًا لم يعد بالإمكان تجميله بالتصريحات ولا تغطيته بالوعود.


طوال سنوات السابقة كان الخوف في عدن حاضرًا في حياة الناس. خافوا من الانتهاكات والاعتقالات ومن المصير الذي قد يواجه كل من يرفع صوته. لكن هناك لحظة يصل فيها المواطن إلى قناعة أن ما يخسره كل يوم أكبر من أي تهديد يلوح في الأفق. عندها تتغير المعادلة كلها.


ما يجري في عدن يتجاوز أزمة كهرباء أو خدمة متعثرة. نحن أمام غضب تراكم فوق غضب ومعاناة فوق معاناة حتى بلغ الناس حافة الاحتمال الأخيرة. فالكهرباء المنهارة مجرد عنوان لأزمة إدارة وحكم وعجز عن ملامسة احتياجات المواطنين.


المؤلم أن القوى المتصارعة لم تتسابق يومًا على تخفيف أوجاع الناس بقدر ما تسابقت على النفوذ والمكاسب. تحولت معاناة المواطنين إلى مساحة للتجاذب السياسي بينما بقي المواطن وحيدًا في مواجهة الحر والجوع وانهيار الخدمات.


ولأن الذاكرة اليمنية مثقلة بالخذلان فإن الناس لم يعودوا يصدقون البيانات الرسمية ولا اللجان الطارئة ولا الوعود التي تتكرر مع كل أزمة ثم تختفي مع أول نشرة أخبار جديدة. المواطن في عدن لا يبحث عن خطابات مطمئنة بل عن كهرباء مستقرة وماء يصل إلى منزله ورواتب تحفظ له الحد الأدنى من الكرامة.


المفارقة أن الأطراف المتنازعة تتحدث كثيرًا باسم الشعب بينما يزداد الشعب فقرًا وتهميشًا. تتحدث عن التضحيات فيما المواطن يدفع فاتورة تلك التضحيات وحده. تتحدث عن الانتصارات بينما يقضي الناس لياليهم في الحر الخانق. تتحدث عن المشاريع الكبرى فيما تتآكل أبسط مقومات الحياة يوماً بعد آخر.


لا أحد يستطيع إقناع الناس بأن المعاناة قدر محتوم. ولا يمكن لأي سلطة أن تستمر بالاعتماد على ذاكرة الخوف بينما تتراجع قدرتها على توفير أبسط الخدمات. فالدولة تُقاس بما تقدمه للمواطن لا بما ترفعه من شعارات ولا بعدد الصور المعلقة على الجدران.


التاريخ لا يحفظ أسماء الأقوى بقدر ما يحفظ أسماء من وقفوا إلى جانب الناس. السلطة التي توفر حياة كريمة تبقى في الوجدان قبل أن تبقى في الحكم. أما من يبتعد عن نبض الشارع فيكتشف متأخرًا أن القوة وحدها لا تصنع الاستقرار.


خطورة "ثورة الفراشات" أنها جاءت من قلب الحياة اليومية. لم تدعُ إليها الأحزاب ولم تُصنع في غرف السياسة. خرجت من الحر ومن العجز ومن الإحساس المتراكم بأن أحدًا لا يسمع. وحين تنبع الاحتجاجات من تفاصيل الحياة المعيشية تصبح أكثر اتساعًا وأقرب إلى وجدان الناس.


عدن اليوم لا تبحث عن معركة جديدة. المدينة المتعبة من الحروب والانقسامات تبحث عن حقها في العيش فقط. عن ليلة عادية ينام فيها الأطفال دون اختناق. عن منزل لا يتحول إلى فرن. عن مسؤول يشعر بأن معاناة الناس مسؤولية وليست مادة للتراشق السياسي.


وحين يحمل الناس فراشهم إلى الشارع فإن الرسالة تتجاوز الكهرباء وتتجاوز أزمة الخدمات. إنها لحظة تقول فيها مدينة كاملة إنها سئمت الانتظار. سئمت الوعود المؤجلة والحلول المؤقتة والخطابات التي لا تغير شيئًا من واقعها.


وفي كل التجارب كان تجاهل الإنذارات الأولى خطأً مكلفًا. فالاحتجاجات لا تبدأ كبيرة. تبدأ بإشارة صغيرة ثم تتسع كلما أصر أصحاب القرار على إدارة ظهورهم للواقع. وما يحدث اليوم في عدن يبدو أقرب إلى إنذار سياسي واجتماعي مفتوح منه إلى احتجاج عابر.


فحين يصبح الرصيف أرحم من البيت لا يعود السؤال لماذا خرج الناس إلى الشارع بل كيف تُركوا إلى هذه المرحلة .