يعاقب هذا الوطن المنكوب، بصمت ابنائه، ويموت مابين الجوع والحرارة. فلم تعد الحقيقة تجد من يجرؤ على قولها، ولا من يمتلك الشجاعة لسماعها أو حتى تصديقها. الجميع يدور داخل فراغٍ هائل، غافلين عن حجم الخراب الذي يلتهمهم ببطء، فيما يتحول المواطن إلى ضحية لأحداث لا ناقة له فيها ولا جمل، لكنه يدفع ثمنها كاملاً بسبب مواقفه السلبية المبكرة، وقبوله الطويل بدور المتفرج الصامت، الباحث عن النجاة الفردية وسط انهيار جماعي يثير الريبة والأسئلة.
من يستطيع اليوم إقناع المواطن في عدن أو المكلا بأن الشرعية والسعودية بريئتان من حرب الأزمات التي تخنق الناس في مناطق نفوذهما؟ وكيف يمكن تبرير هذا الواقع القاسي لو بمنطقٍ أعوج يساوي بين الظلم والعدالة؟ فهناك من يموت جوعاً بسبب انقطاع المرتبات، في مناطق سيطرة الحوثي، وهنا من يختنق تحت نار الكهرباء والحرارة، وكلاهما ضحية لسياسات أنهكت الإنسان ودفعت به إلى حافة الانهيار، وإن اختلفت أشكال المعاناة.
لا يمكن لعاقل أن ينكر حق الناس في الخروج رفضاً لهذا الجور، فحين تُسلب أسباب الحياة يصبح الغضب مشروعاً، لكن الكارثة أن المواطن فقد السيطرة على المشهد، ورضي ـ مرغماً أو خائفاً ـ بأن يكون الضحية الدائمة، فيما تتقاسم القوى المختلفة استثمار أوجاعه وتحويلها إلى أدوات نفوذ وصراع.
ومن الطبيعي أن تسعى القوى المستفيدة من الاحداث، إلى استثمار غضب الشارع في عدن، أملاً في استعادة قبضتهم الحديدية على المدينة، بعد سنوات من فرضهم واقع قائم على الخطاب الثوري والإكراه السياسي، وسط غياب تام للخدمات حتى بات القبول بالمأساة جزءاً من الحياة اليومية. وهي ذات الآلية التي استخدمت في مناطق أخرى، حيث جرى تطويع الناس بالخوف، وتعويدهم على الصبر على قسوة الجوع والموت البطيء في صنعاء وتعز والحديدة وإب وذمار.
المشكلة الحقيقية لم تعد فقط في الأطراف المتصارعة، بل في وطنٍ أُنهك حتى صار مواطنوه يتعايشون مع الكارثة، ويخشون مواجهة الحقيقة أكثر من خوفهم من استمرارها.