منذ بداية سلسلة مقالاتي المتتابعة حول المشهد الأمريكي الإيراني، بدءًا من مقال «أمريكا والنظام الإيراني»، مرورًا بمقال «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» بتاريخ 25 مايو 2026، ثم سلسلة «حوار الطرشان»، وصولًا إلى مقال «حوار الطرشان مستمر… وتوم وجيري في مضيق هرمز» بتاريخ 29 مايو 2026، ثم مقال «حوار الطرشان… حين يتحوّل الاتفاق إلى قنبلة مؤجلة» بتاريخ 3 يونيو 2026، كنت أؤكد بأن ما يحدث ليس خلافًا حقيقيًا بقدر ما هو إدارة طويلة للأزمة، هدفها إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وإخضاع مراكز القوة الجديدة، وابتزاز العالم بالطاقة والخوف معًا.
واليوم تتكشف الصورة بشكل أوضح.
فمضيق هرمز لا يزال يعيش على صفيح ساخن، وإيران ما زالت تستخدم “حوار الطرشان” لشراء الوقت، وتمرير مشروعها الإقليمي، والتحصل على نفوذ وإتاوات سياسية واقتصادية غير مباشرة من حركة التجارة العالمية، بينما أمريكا — صاحبة أكبر أسطول بحري في العالم — تراقب المشهد ببرود يثير الريبة أكثر مما يثير الطمأنينة.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
هل أمريكا عاجزة فعلًا عن إنهاء هذه الفوضى؟
أم أن الفوضى نفسها أصبحت جزءًا من مشروعها العالمي الجديد؟
الحقيقة أن ما يجري يخدم واشنطن على مستويات أعمق بكثير مما يتخيله البعض.
فالدولار الأمريكي الذي بدأ يفقد شيئًا من بريقه وهيبته العالمية خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد صعود التكتلات الاقتصادية الجديدة مثل مجموعة “البريكس”، بات بحاجة إلى “أزمات كبرى” تعيد ربط العالم قسرًا بالنظام المالي الأمريكي.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو واشنطن وكأنها تدير التوتر… لا تنهيه.
كل تهديد لمضيق هرمز يعني:
* ارتفاع أسعار الطاقة.
* زيادة الطلب على الدولار.
* هروب المستثمرين نحو السوق الأمريكي.
* إضعاف الاقتصادات المنافسة.
* وتعطيل مشاريع فك الارتباط عن العملة الأمريكية.
بمعنى آخر:
الخوف أصبح أحد أهم أدوات حماية الدولار.
ولهذا فإن واشنطن لا تنظر إلى إيران فقط كخصم، بل أيضًا كورقة ضغط استراتيجية لإبطاء تمدد البريكس، وإعادة إخضاع الاقتصاد العالمي لمنظومة الدولار قبل فوات الأوان.
أما الدول التي تحاول التحرر اقتصاديًا، أو بناء نظام مالي بديل، فهي تجد نفسها فجأة أمام عالم مضطرب، وأسعار شحن ملتهبة، وأسواق متقلبة، وممرات بحرية مهددة، وكأن الرسالة الأمريكية غير المعلنة تقول:
“من يريد الاستقرار… فعليه العودة للمظلة الأمريكية.”
ومن لا يريد نفط الخليج المهدد، فليذهب إلى النفط الأمريكي، أو حتى النفط الفنزويلي الذي أعيد تدويره سياسيًا بعد سنوات من الحصار والتجويع والعقوبات.
إنها ليست سياسة تحالفات… بل سياسة ابتزاز اقتصادي عالمي.
أما ما يسمى “حلفاء أمريكا” في المنطقة، فقد بدأوا يكتشفون تدريجيًا أن كثيرًا من الاتفاقيات الأمنية لم تعد تعني شيئًا أمام المصلحة الأمريكية المباشرة.
فالسياسة الأمريكية الحديثة لا تؤمن بالوفاء بقدر ما تؤمن بمنطق:
“ما الذي سنكسبه نحن؟”
أما إسرائيل، فهي الاستثناء الوحيد تقريبًا من هذه القاعدة؛ الكيان الذي تتحرك من أجله الأساطيل، وتُعاد صياغة خرائط الشرق الأوسط بالكامل لحماية مصالحه.
لكن وسط هذه الفوضى الدولية، تبرز السعودية كدولة تتحرك بعقل استراتيجي مختلف تمامًا.
فبينما ينشغل كثيرون بإدارة الأزمات اليومية، تعمل الرياض بهدوء وبُعد نظر على إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي القادم.
السعودية تدرك أن العالم يتغير، وأن مرحلة ما بعد النفط التقليدي، وما بعد الممرات القديمة، وما بعد الاقتصاد الأحادي القطب قد بدأت فعليًا.
ولهذا نرى مشاريع عملاقة، وموانئ، ومناطق لوجستية، وخطوط نقل، وربطًا بين الشرق والغرب، واستثمارات هائلة في سلاسل الإمداد العالمية، والطاقة، والصناعة، والتقنية، والنقل البحري والبري.
فالرياض لا تتحرك بعقلية “ردة الفعل”، بل بعقلية “الاستعداد لقيادة المرحلة القادمة”.
وفي الوقت الذي يتحول فيه مضيق هرمز إلى ورقة ابتزاز دولية، تعمل السعودية على خلق بدائل استراتيجية آمنة ومستقرة، تجعلها مستقبلًا مركزًا عالميًا لسلاسل التوريد بين الشرق والغرب، ومحورًا اقتصاديًا لا يمكن تجاوزه.
وهنا تكمن عبقرية الرؤية السعودية.
فبينما تتصارع القوى الكبرى على إدارة الفوضى، تعمل الرياض على بناء الاستقرار.
وبينما تستخدم أمريكا الأزمات لحماية الدولار، تعمل السعودية على بناء اقتصاد حقيقي متعدد الموارد، قادر على قيادة المنطقة لعقود قادمة.
أما إيران، فما زالت غارقة في عقلية الميليشيا، وتعيش على تصدير الأزمات، وشراء الوقت عبر “حوار الطرشان” المستمر.
ولهذا فإن المشهد الحالي ليس مجرد أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل للنظام العالمي بأكمله.
عالم قديم يترنح…
وقوى جديدة تحاول الصعود…
وأمريكا تقاتل بكل أدوات الفوضى حتى لا تفقد عرشها الاقتصادي.
ويبقى السؤال:
هل نحن أمام نهاية الهيمنة الأمريكية؟
أم أمام ولادة نسخة أكثر شراسة من النفوذ الأمريكي القائم على إدارة الفوضى بدلًا من إدارتها للنظام؟
الأيام القادمة وحدها ستكشف حجم اللعبة.
لكن المؤكد أن “الشيطان لا يزال في التفاصيل”.