قد يختلف الزمن، ولكن مبررات أمريكا للاحتفاظ بأحاديتها في قيادة العالم لا تختلف، على الرغم من خسارتها للحروب التي تلت الحرب العالمية الثانية في أوروبا؛ والتي انتهت باستسلام ألمانيا واليابان بعد ضرب مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنبلتين النوويتين عام 1945.
بعد ذلك، استعاد الألمان بناء دولتهم (الغربية والشرقية) في ظل تقسيم ألمانيا، ونجح اليابانيون في بناء اقتصاد صناعي كشركاء للأمريكيين، مستغلين صراع القطبين ما بعد الحرب العالمية الثانية في شرق آسيا، وهو الصراع الذي تفجر في كوريا وقسّمها إلى دولتين (جنوبية وشمالية).. لكن التجربة لم تنجح في فيتنام التي استمرت حربها قرابة العقدين من الزمن، وخرجت منها أمريكا بهزيمة مذلة بعد فشل استراتيجيات الرئيس ليندون جونسون "ابن تكساس"، الذي كان رئيسه جون كينيدي قد اغتيل في عاصمة ولايته "دالاس" عام 1963، ومعه مشروعه لإيقاف الحرب الفيتنامية؛ الأمر الذي أتاح لجونسون فرصة تنفيذ مشروعه الحربي الذي كان يرفضه كينيدي.
أعلن جونسون إرسال 75 ألف جندي لدعم القوات الأمريكية المساندة لقوات الجنرال "دونغ فان مينه" الفيتنامية الجنوبية في حربها ضد قوات "هو تشي منه" والجنرال "جياب" الفيتنامية الشمالية، المدعومة من السوفييت وصين "ماو تسي تونغ".. واستمر إصرار جونسون على هزيمة "الفيتكونغ"، وتواصل مع ذلك إرسال الجنود الأمريكيين حتى تجاوز عددهم 200 ألف جندي، إلى أن قرر الرئيس نيكسون الانسحاب بعد فشل ضرب لاوس وكمبوديا، فكانت الهزيمة المذلة.. ولعلنا نتذكر كيف ألقى رجال المارينز بعشرات طائرات الهليكوبتر في البحر من على متن إحدى حاملات الطائرات لإفساح المجال للمروحيات الأخرى المحملة بالهاربين من الأمريكيين وبعض حلفائهم، في الوقت الذي شهدت فيه "سايجون" مناظر هروب وفوضى عارمة.. وهي مشاهد تكررت في "كابول" خلال انسحاب القوات الأمريكية والأطلسية بعد 47 سنة من فوضى مغادرة سايجون، وقبل ثلاث سنوات من عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض.
ثمة أوجه شبه رئيسية بين الرئيسين جونسون وترامب؛ فكلاهما ناصرا إسرائيل بكل قوة. ومن عاصر منا تلك الحقبة في سنوات الدراسة يتذكر أن أول تسليح جوي إسرائيلي من خارج فرنسا وأوروبا الغربية كان في عهد جونسون بخمسين طائرة "فانتوم"، وكانت بوابتها هزيمة العرب عام 1967. وهي الهزيمة التي تحول على إثرها الموقف الفرنسي إلى رفض نتائج الحرب، نتيجة للزيارة التاريخية للملك فيصل بن عبد العزيز لباريس ولقائه بالجنرال ديغول في يوليو 1967 بعد الهزيمة العربية بشهرين. تلك الزيارة أغضبت جونسون حينها، تماماً كما تُغضب مواقف الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ترامب اليوم، وربما "عربان ترامب" في هذه الأيام التي يخوض فيها ترامب معركة إسرائيل مع إيران ويعجز عن لجمها في لبنان.
هذا العجز يشبه تماماً عجز جونسون عن دفع إسرائيل إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة مقابل ترتيبات أمنية تمكنها من العيش أو التعايش مع محيطها العربي؛ فلم يفلح وغادر الرئاسة وهو يوجه الكثير من النعوت غير الدبلوماسية لقادة إسرائيل، ومنها ما قاله علانية لوزير خارجيتها "أبا إيبان": "من تظنون أنفسكم؟ إن عليكم أن تعلموا أنكم لستم سوى حاملة طائرات أمريكية".. ليغادر جونسون موقعه وهو في حالة من الإحباط والمرارة تجاه إسرائيل، ليأتي بعده الرئيس نيكسون ويستثمر حرب 1973 ويفرض الانسحاب على إسرائيل مقابل تسوية غيّرت مسارات كثيرة، لكنها أطمعت إسرائيل في "شرق أوسط جديد" بقيادتها عبر "الاتفاقيات الإبراهيمية" التي سيذهب ترامب دون تحقيقها، كما رحل جونسون منطوياً على غدر إسرائيل وتنكرها لأدواره في توظيف إمكانيات أمريكا لصالحها.
وهذا ما أتوقع أن يحدث للرئيس ترامب، بل لأمريكا بأسرها بعد تدهور مكانتها على يد إسرائيل قبل إيران.. والسؤال هنا : هل هناك تشابه بين جونسون وترامب، أم أن للزمان دورات تذكرنا بمتغيرات أنتجت ما نحن فيه اليوم؟