آخر تحديث :الثلاثاء-09 يونيو 2026-09:22م

المهور الخيالية.. حين يتحول الزواج من ميثاق مقدس إلى صفقة تجارية!

الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - الساعة 06:03 م
موسى المليكي


في الوقت الذي يواجه فيه الشباب تحديات اقتصادية غير مسبوقة، ويكافحون من أجل بناء مستقبلهم وتأمين أبسط متطلبات الحياة، تبرز أمامهم عقبة أخرى لا تقل قسوة عن البطالة وغلاء المعيشة، وهي الارتفاع الجنوني للمهور وتكاليف الزواج، حتى أصبح الحلم بتأسيس أسرة مستقرة أشبه بمهمة مستحيلة بالنسبة للكثيرين.


لقد تحول الزواج لدى بعض الأسر من مشروع لبناء حياة قائمة على المودة والرحمة إلى ما يشبه المزاد العلني، حيث يُقاس العريس بما يملكه من أموال لا بما يحمله من أخلاق وقيم وطموح. وأصبح السؤال الأول الذي يواجهه الشاب عند طرقه باب الزواج: "كم ستدفع؟" بدلاً من "من أنت؟ وما هي أخلاقك وقدرتك على تحمل المسؤولية؟".


إن المؤلم حقًا أن بعض أولياء الأمور باتوا ينظرون إلى بناتهم وكأنهن فرصة استثمارية أو مشروع ربحي مؤقت، فتُفرض مهور باهظة تصل إلى ملايين الريالات، إضافة إلى اشتراطات مرهقة من حفلات فخمة، ومصاريف مبالغ فيها، وأثاث يفوق قدرة معظم الشباب. وكأن الهدف لم يعد تيسير الزواج وحماية الأبناء والبنات، بل تحقيق أكبر مكاسب مالية ممكنة.

هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى تأخير سن الزواج، بل تخلق أزمة اجتماعية حقيقية تهدد استقرار المجتمع بأكمله.


فالشاب الذي يقضي سنوات طويلة في الدراسة الجامعية ثم يدخل سوق العمل المثقل بالأزمات الاقتصادية، يجد نفسه عاجزًا عن توفير تلك المبالغ الضخمة. ومع مرور السنوات يتراكم الإحباط، وتتبدد الأحلام، ويصبح الزواج هدفًا بعيد المنال.


وفي المقابل، تعاني الفتيات أيضًا من نتائج هذه الظاهرة، إذ تتأخر فرص زواج الكثير منهن بسبب الشروط التعجيزية التي يفرضها أولياء الأمور. وبينما ينتظر الأب المهر الأكبر والعرض الأفضل، تمضي السنوات وتضيع فرص قد لا تتكرر، ليكتشف الجميع متأخرًا أن الخاسر الحقيقي ليس الشاب فقط، بل الأسرة والفتاة والمجتمع بأكمله.


ولعل أخطر ما في الأمر أن إغلاق أبواب الزواج الشرعي أمام الشباب يفتح نوافذ واسعة أمام العديد من المشكلات الاجتماعية والسلوكية. فعندما يصبح الحلال صعبًا إلى هذا الحد، فإن المجتمع يدفع ثمنًا باهظًا من استقراره وأمنه وقيمه الأخلاقية. لذلك فإن مسؤولية تيسير الزواج ليست مسؤولية الشباب وحدهم، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة وتنتهي عند مؤسسات المجتمع كافة.


إن القيمة الحقيقية للرجل لا تُقاس بحجم المبلغ الذي يدفعه، كما أن قيمة المرأة لا تُقاس بحجم المهر الذي تحصل عليه أسرتها. فالزواج الناجح لا يبنى على الأموال وحدها، وإنما على التفاهم والاحترام والمحبة والقدرة على تحمل المسؤولية.


كم من زيجات بدأت بمهر بسيط وكتب الله لها السعادة والاستقرار، وكم من زيجات أُنفقت عليها الملايين وانتهت بالفشل والانفصال.

إننا بحاجة اليوم إلى مراجعة صادقة لعاداتنا وتقاليدنا، وإلى نشر ثقافة التيسير بدلاً من التعسير، وثقافة بناء الأسر بدلاً من المتاجرة بالأحلام.


فالمجتمعات لا تتقدم بتعقيد الزواج، بل بتسهيله، ولا تحمي أبناءها بإغلاق الأبواب في وجوههم، بل بفتح الطرق المشروعة أمامهم.


ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل ولي أمر على نفسه: هل أريد لابنتي زوجًا صالحًا يصونها ويكرمها ويشاركها رحلة الحياة، أم أبحث فقط عن رقم أكبر يُضاف إلى حسابي؟

إن مستقبل أبنائنا وبناتنا أهم بكثير من أي مهر، وسعادة الأسر أغلى من أي مكسب مادي مؤقت، والزواج سيبقى ميثاقًا غليظًا ورسالة إنسانية سامية، لا صفقة تجارية تُقاس بالأرقام والأموال.