آخر تحديث :الأربعاء-10 يونيو 2026-02:53ص

شباب عدن لا يطلبون المستحيل بل حقهم في الحياة .

الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - الساعة 11:10 م
محمد خالد


ما زال شباب عدن يرفعون المطالب ذاتها التي لم تتغير منذ سنوات، وهي مطالب لا تندرج ضمن الحسابات السياسية أو المزايدات الإعلامية، وإنما تتعلق بحقوق أساسية يفترض أن تكون مكفولة لكل مواطن. فالحصول على الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم وانتظام صرف الرواتب ليس امتيازًا، بل الحد الأدنى الذي يضمن للإنسان حياة كريمة.


وفي كل صيف، تتجدد معاناة سكان المدينة مع الانقطاعات الطويلة للكهرباء، لتتحول الأزمة من مجرد خلل في خدمة عامة إلى معاناة إنسانية تمس تفاصيل الحياة اليومية. فارتفاع درجات الحرارة، مع غياب التيار الكهربائي لساعات طويلة، يضع المرضى وكبار السن والأطفال في ظروف قاسية، ويؤثر على المستشفيات والمراكز الصحية والأنشطة الاقتصادية، ويضاعف من أعباء المواطنين الذين يواجهون أصلًا ظروفًا معيشية صعبة.


إن نزول الشباب إلى الشارع للمطالبة بتحسين الخدمات لا ينبغي أن يُفهم على أنه دعوة للفوضى أو خروج عن النظام، بل هو تعبير مشروع عن معاناة يعيشها كل بيت في عدن. فمن الطبيعي أن يرفع المواطن صوته عندما تتعطل مقومات حياته الأساسية، وأن يطالب بحلول حقيقية تعيد إليه الشعور بالأمان والاستقرار.


وعلى امتداد تاريخها، عُرفت عدن بأنها مدينة مدنية احتضنت الجميع، واشتهرت بثقافة التعايش والانفتاح والعمل. ولم يكن أبناء المدينة يومًا دعاة صراع، بل كانوا يتطلعون دائمًا إلى بناء مؤسسات قوية توفر الخدمات وتحفظ كرامة الإنسان. واليوم، لا يزال هذا المطلب حاضرًا، إذ يتطلع المواطن إلى دولة قادرة على القيام بواجباتها الأساسية، من خلال توفير الكهرباء والمياه، وتحسين القطاع الصحي، ودعم التعليم، وضمان انتظام صرف الرواتب.


لقد أثبتت التجارب أن استقرار أي مجتمع يبدأ من توفير الخدمات الأساسية، وأن غيابها ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الاجتماعي والاقتصادي. فلا يمكن الحديث عن تنمية أو استثمار أو تحسين للأوضاع المعيشية في ظل أزمات خدمية متكررة تستنزف المواطنين وتؤثر على حياتهم اليومية.


كما أن استمرار هذه الأوضاع يفرض أعباءً إضافية على الأسر التي تجد نفسها مضطرة لتحمل تكاليف بديلة لتأمين احتياجاتها الأساسية، سواء من خلال شراء المياه أو تشغيل مصادر كهرباء خاصة أو البحث عن خدمات صحية وتعليمية بديلة، وهو ما يزيد من الضغوط الاقتصادية على المواطنين في ظل الظروف الراهنة.


لقد تعب الناس من الوعود المؤجلة، ولم تعد التصريحات وحدها قادرة على طمأنة الشارع أو استعادة ثقته. فالمواطن يقيس نجاح أي جهة بمدى انعكاس قراراتها على واقعه اليومي، وبقدر ما يلمسه من تحسن في مستوى الخدمات وجودة الحياة، لا بعدد البيانات والمؤتمرات والخطابات.


ولا يطالب شباب عدن اليوم بأكثر مما يحصل عليه أي مواطن في أي دولة تسعى إلى تحقيق الاستقرار والتنمية. إنهم يطالبون بأن تصل الكهرباء إلى منازلهم بصورة مستقرة، وأن تتوفر المياه بشكل منتظم، وأن يجد المريض العلاج المناسب، وأن يتلقى الطالب تعليمًا في بيئة لائقة، وأن يحصل الموظف على راتبه في موعده ليستطيع إعالة أسرته ومواجهة متطلبات الحياة.


إن هذه المطالب ليست سقفًا مرتفعًا، ولا تشكل عبئًا سياسيًا، بل تمثل الحد الأدنى من الحقوق التي تكفلها مبادئ العدالة والمواطنة. كما أن الاستجابة لها تسهم في تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وترسخ الاستقرار، وتمنح الشباب الأمل في مستقبل أفضل داخل وطنهم.


لقد قدمت عدن الكثير من التضحيات في مختلف المراحل، وأثبت أبناؤها قدرتهم على الصمود في مواجهة التحديات، إلا أن الصبر لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن المعالجات الجادة. فالمجتمعات لا تُبنى على الانتظار، وإنما على التخطيط والتنفيذ وتحمل المسؤولية، وعلى إدراك أن كرامة المواطن تبدأ من ضمان احتياجاته الأساسية.


إن صوت الشارع اليوم هو في جوهره صوت يطالب بالحياة الكريمة، وبحق الإنسان في أن يعيش في مدينة تتوفر فيها الخدمات الأساسية وتحترم فيها حقوقه. وهو صوت ينبغي أن يُستمع إليه بوصفه تعبيرًا عن احتياجات المجتمع وتطلعاته، لا باعتباره مصدرًا للأزمة.


وفي النهاية، فإن عدن لا تطلب المستحيل، ولا يطلب شبابها أكثر من حقهم الطبيعي في العيش بكرامة داخل مدينتهم. فالأوطان تُقاس بقدرتها على صون كرامة مواطنيها، والدول تُبنى عندما يشعر الإنسان أن حقوقه مصونة وأن صوته مسموع. وستظل المطالبة بالكهرباء والمياه والصحة والتعليم والرواتب المنتظمة مطلبًا مشروعًا، لأنها ليست مطالب فئوية أو ظرفية، بل حقوق إنسانية أصيلة تشكل الأساس الحقيقي لأي إستقرار وتنمية بشكل أفضل