آخر تحديث :الأربعاء-10 يونيو 2026-02:53ص

الموروث في یافع.. ھویة أكبر من السیاسة

الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - الساعة 11:12 م
عبدالناصر صالح ثابت


م. عبدالناصر صالح ثابت

ھناك أشیاء لا یستطیع الزمن أن یمحوھا، لأنھا لا تعیش في الكتب أو على جدران التاریخ، بل تبقى راسخة

في ذاكرة الناس. ھكذا ھو الموروث في یافع؛ لیس مجرد احتفال یقام بعد عید الأضحى، بل قصة مجتمع

حافظ على عاداتھ وتقالیده جیلاً بعد جیل. فمن القارة إلى الھجر، مرورًا بالموسطة ووصولاً إلى المفلحي،

الاجتماعیة، قبل أن تتحول تلك اللقاءات إلى واحدة من أھم صور التراث الشعبي في المنطقة. تتجدد كل عام حكایة بدأت منذ زمن بعید، حین كان الأھالي یلتقون بعد العید لتبادل التھاني وتعزیز روابطھم

ولم یكن الموروث یومًا مجرد رقصة شعبیة أو استعراض للأزیاء التقلیدیة، بل كان منصة تنبض بالحیاة

وتعكس نبض المجتمع. فالشعراء یتنافسون في الكلمة، وتتعالى الزوامل التي تحمل الحكمة والفخر وتوثق

أحداث الزمن، بینما تصدح الأھازیج في مشھد یجمع الجمیع. وتروي الذاكرة الشعبیة أن المرأة كانت جزءًا

وتقالید یافع بكل تفاصیلھا ویحفظھا من الاندثار. أصیلاً من ھذه اللوحة، تشارك بالأھازیج والشعر ومظاھر الفرح، لیصبح الموروث احتفالاً یجسد عادات

وخلال مسیرتھ الطویلة، لم یكن ھذا الموروث بمنأى عن التحولات التي شھدھا جنوب الیمن. فمنذ مرحلة

الاستقلال، مرورًا بقیام الوحدة الیمنیة وما تبعھا من متغیرات سیاسیة واجتماعیة، ظل الموروث یتأثر بما

یدور حولھ كما یتأثر المجتمع نفسھ. وكانت ھذه المناسبة في كثیر من الأحیان مساحة یعبر فیھا الشعراء عن

الشارع، بینما حافظ البرع والزوامل والزي الشعبي على روح المناسبة وھویتھا الأصیلة. الواقع السیاسي والاجتماعي من خلال القصائد والزوامل والكلمات الھادفة، لتبقى الكلمة الشعبیة مرآة لنبض

وجاءت احتفالات ھذا العام لتؤكد أن الموروث ما زال انعكاسًا لحالة المجتمع. فكما تأثر في الماضي

بالأحداث الكبرى، انعكست علیھ أیضًا التطورات التي شھدھا الجنوب منذ ینایر ،2026 حیث طغت

القضایا السیاسیة على المشھد العام وألقت بظلالھا على أجواء الاحتفال. وما حدث من جدل أو زوبعة

رافقت المناسبة لا یمكن فصلھ عن الظروف التي یعیشھا الجنوب والیمن عمومًا، إذ إن الموروث كان دائمًا

مرآة للمجتمع، یتفاعل مع أفراحھ وتحدیاتھ في آن واحد.

ومع ذلك، فإن ما حدث یبقى سحابة صیف عابرة ستزول بزوال أسبابھا، لأن ما یجمع أبناء یافع أكبر من

أي خلاف آني. فقد أثبتت ھذه المناسبة عبر تاریخھا أنھا قادرة على تجاوز المتغیرات، وأن الخلافات قد

تفرق المواقف لكنھا لا تستطیع أن تمحو تاریخًا صنعتھ الأجیال ولا أن تضعف ارتباط الناس بتراثھم.

وستظل یافع، بما تمثلھ من عمق تاریخي واجتماعي، قلبًا نابضًا في وجدان الجنوب، وسیبقى الموروث

شاھدًا على أن الھویة الحقیقیة أقوى من تقلبات السیاسة، وأن الأمم التي تحفظ موروثھا تحفظ مستقبلھا

أیضًا.