آخر تحديث :الأربعاء-10 يونيو 2026-02:53ص

سعيد عولقي.. رحيل قامة ثقافية جمعت بين الصحافة والمسرح والدراما

الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - الساعة 11:23 م
جمال صالح لهطل


بقلم جمال صالح لهطل الفضلي


برحيل الكاتب والصحفي والمسرحي سعيد عولقي، خسرت عدن واليمن أحد أبرز رموزها الثقافية والإبداعية الذين أسهموا في إثراء الحياة الفكرية والفنية على مدى عقود. فقد كان الراحل نموذجًا للمثقف الشامل الذي جمع بين الصحافة والأدب والمسرح والدراما، وترك إرثًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال.


عرفت عدن منذ خمسينيات القرن الماضي نهضة ثقافية متميزة، حيث ازدهرت المنتديات والنوادي الثقافية التي شكلت منابر للحوار والفكر والإبداع. وكانت تلك المنتديات ملتقى للأدباء والمثقفين والفنانين، وأسهمت في صناعة جيل من المبدعين الذين حملوا رسالة الثقافة والفن إلى المجتمع، وجعلوا من عدن مركزًا ثقافيًا بارزًا في المنطقة.


وفي قلب هذه الحركة الثقافية النشطة، برز المسرح العدني كواحد من أهم روافد الإبداع. فقد كان المسرح في عدن مدرسة فنية متكاملة عالجت قضايا المجتمع وهموم المواطنين، وقدمت أعمالًا تركت أثرًا عميقًا في الوجدان الشعبي. واستطاع المسرحيون العدنيون أن يصنعوا تجربة رائدة تجاوزت حدود الوطن ووصل صداها إلى أرجاء الوطن العربي.


ومن الأعمال التي ارتبطت بذاكرة الجمهور مسرحية "التُركة"، التي تعد من النماذج المتميزة للمسرح الذي يعكس واقع الناس بأسلوب فني يجمع بين المتعة والرسالة. وقد جسدت هذه الأعمال روح المسرح العدني الذي كان قريبًا من المجتمع، يعبر عن تطلعاته ويناقش قضاياه بوعي وجرأة.


كما شهدت الدراما العدنية مرحلة ذهبية جعلتها شعلة متقدة في سماء الفن العربي، حيث قدمت أعمالًا متميزة تناولت الواقع الاجتماعي والإنساني بروح صادقة، واستطاعت أن تصنع لنفسها مكانة خاصة لدى الجمهور. وكانت الدراما الساخرة على وجه الخصوص صوتًا معبرًا عن الناس، تنقل معاناتهم وتنتقد السلبيات بأسلوب ذكي يمزج بين الفكاهة والرسالة الهادفة.


ولم يقتصر عطاء سعيد عولقي على المجال الفني فقط، بل كان صحفيًا متمكنًا وصاحب قلم رصين، عمل وكتب في عدد من الصحف اليومية، وتميز بمقالاته وتحليلاته العميقة التي تناولت الشأن الثقافي والاجتماعي. وكان حضوره بارزًا في صحيفة "الأيام" العدنية، حيث ترك بصمة واضحة من خلال كتاباته التي اتسمت بالمهنية والوعي والقدرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل.


وفي الوقت الذي نودع فيه أحد أعلام الثقافة والإبداع، تبرز أهمية مواصلة المسيرة التي أسسها الرواد. ومن بين الأسماء الشابة التي أثبتت حضورها في المشهد الفني المبدع عمرو جمال، الذي يمثل نموذجًا للجيل الجديد الساعي إلى تطوير الدراما والمسرح والحفاظ على الإرث الفني الذي تركه السابقون.


إن رحيل سعيد عولقي ليس مجرد غياب لشخصية ثقافية بارزة، بل هو فقدان لجزء من ذاكرة عدن الثقافية والفنية والصحفية. غير أن ما قدمه من أعمال وإسهامات سيظل حيًا في وجدان محبيه وفي تاريخ الحركة الثقافية اليمنية.


رحم الله سعيد عولقي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه من عطاء وإبداع، وجعل إرثه الثقافي والفني والصحفي مصدر إلهام للأجيال القادمة.