مضت 100 على اندلاع الحرب في إيران، والتي بدأت في 28 فبراير 2026 بضربات خاطفة ومفاجئة أطلقت عليها واشنطن اسم عملية الغضب الملحمي، وأطلق عليها الكيان الغاصب الأسد الزائر، وتدريجيا دخلت منطقة الشرق الأوسط في واحدة من أعقد فترات تاريخها المعاصر.
المعركة التي انطلقت باستهداف مباشر ومزلزل للهرم القيادي في طهران، وعلى رأسه المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين لم تنتهِ بنصر سريع كما خطط لها المهاجمون، بل تحولت إلى حرب استنزاف إقليمية مفتوحة، تتأرجح حالياً بين هدنات هشة وحصار بحري متبادل في مضيق هرمز، وضغوط اقتصادية عالمية غير مسبوقة.
من الطبيعي أن تتعرض كل الأطراف لخسائر وتحقق أرباحا سواء المرتبطة بالحرب بشكل مباشر، او تلك التي لم تكن طرفاً إنما تركت الحرب أثرها عليها، وهذه طبيعة الحروب الحديثة إذ لايمكن السيطرة على ميدان المعركة بشكل دقيق ومحسوب، ويبدو أن 100يوم من القصف والصواريخ الباليستية وحروب المسيرات ستعيد تشكيل موازين القوى بين الأطراف المباشرة وغير المباشرة، وساستعرض في السطور القادمة ما خلفته الحرب من موقع التحليل المحايد ومحددات الجغرافيا السياسية، بعيداً عن الموقف الشخصي من المتحاربين.
1-الولايات المتحدة الأمريكي
دخلت إدارة دونالد ترامب هذه الحرب بهدف حسم ملف إيران النووي وصواريخها الباليستية، وقطع أذرعها الإقليمية، مستغلة زخم الاحتجاجات الداخلية التي شهدتها إيران مطلع العام، وأهم الأرباح التي حققتها وتعد تكتيكية تتمثل في نجاح الاستخبارات والقوة الجوية الأمريكية بالتعاون مع الكيان الغاصب في تصفية المرشد الأعلى والتأثير على عملية اختيار بديل له بشكل مباشر عبر قصف مبنى مجلس خبراء القيادة، وعدد كبير من قادة الصفوف المتقدمة في مختلف القطاعات والعسكرية بالمرتبة الاولى، مما أحدث هزة معنوية وبنيوية غير مسبوقة في هيكل النظام الإيراني.
أضف إلى ذلك تدمير البنية التحتية العسكرية، عبر تحييد جزء كبير من الدفاعات الجوية الإيرانية، وتدمير منصات إطلاق صواريخ باليستية وقواعد بحرية تابعة للحرس الثوري، ومواقع يعتقد أنها تخص الملف النووي وبنية تحتية مدنية متفرقة، وإضعاف الاقتصاد الإيراني الهش والضعيف من قبل الحرب.
في مجال الخسائر تجاوزت التكلفة المباشرة للحرب على دافع الضرائب الأمريكي حاجز الـ100 مليار دولار في أول 100 يوم، مع طلب البنتاغون ميزانيات إضافية ضخمة، مما يثقل كاهل الاقتصاد الأمريكي، كما عجزت واشنطن عن حماية قواعدها وسفاراتها في المنطقة بشكل كامل، حيث أمطرت إيران وحلفاؤها القواعد الأمريكية بآلاف المسيرات والصواريخ، لكنها فشلت في إسقاط النظام الايراني الذي اظهر مرونة غير متوقعة، ولم يؤدِ غياب خامنئي إلى انهيار الدولة، ومرد ذلك إلى طبيعة النظام الأيدلوجية الذي لم تقرأه واشنطن بشكل جيد.
2- الكيان الإسرائيلي الغاصب
كانت تل أبيب المحرك الأساسي والدينامو وراء الضربة الأولى، معتبرة أن الحرب فرصة وجودية لإنهاء التهديد الإيرانيإلى الأبد، وتشمل الأرباح التي حققتها تدمير مراكز الحيوية لإنتاج الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي كانت تقض مضجع الكيان الغاصب، أضف إلى ذلك إضعاف ما تطلق عليه أيران محور المقاومة بشكل مباشر، وتحديداً حزب الله في لبنان الذي تلقى ضربات قاسية واغتيالات طالت أكثر من 2500 من مقاتليه، مما قلل من قدرته على شن هجوم بري واسع.
في الجهة الاخرى تشمل الخسائر حياة تحت الملاجئ واقتصاد مشلول، فرغم تفعيل منظومات الدفاع الجوي، فإن صواريخ إيران الباليستية وصلت إلى قلب المدن الإسرائيلية، مسببة عشرات القتلى وآلاف الجرحى وشلل تام في مظاهر الحياة اليومية، كما أن الحرب لم تنجح في تصفية التهديد تماماً، بل خلقت واقعاً يعيش فيه الإسرائيليون في حالة طوارئ مستمرة، وتسببت في نزوح مئات الآلاف من الشمال والداخل، مع تراجع حاد في الاستثمارات والسياحة.
3- إيران
واقعياً تعتبر إيران الضحية المباشرة والأكثر تضرراً على الصعيد البشري والبنيوي، وتشمل خسائرها القيادة التاريخية التي يمثلها خامنئي والصف الأول من قادة الحرس الثوري والجيش وهو ما يمثل ضربة قاصمة لرمزية النظام، بالاضافة إلى دمار شامل وكلفة بشرية عالية إذ تشير الإحصاءات إلى مقتل وإصابة الآلاف من العسكريين والمدنيين، مع تدمير ممنهج لمصافي النفط وخاصة في جزيرة خارك، ومحطات التحلية والطاقة، مما أغرق البلاد في ظلام وأزمات مياه حادة، كما أن الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة خنق ما تبقى من صادرات طهران الاقتصادية.
على صعيد الأرباح فقد نجحت إيران في تدويل الحرب عبر إغلاق مضيق هرمز جزئياً، مما عطل 20% من الغاز المسال و25% من النفط العالمي، محولة معركتها المحلية إلى أزمة طاقة عالمية تعاني منها الأسواق الدولية، كما لم يحدث الانشقاق أو الحرب الأهلية التي راهن عليها الغرب، بل تكتلت التيارات الصلبة خلف قيادة جماعية مؤقتة لإدارة الحرب والرد الصاروخي، كما حققت إيران طموحها في ايقاع الأذى بدول الخليج التي تربطها بواشنطن علاقات متينة، وهو ما يعني جرها إلى مربع التأثير والمطالبة بايقاف الهجوم على إيران.
4- دول الخليج
وجدت دول الخليج العربية نفسها في أتون معركة لم تخترها، مدفوعة بجغرافيتها السياسية ووجود قواعد أمريكية حتى لو كانت رمزية وليست ذات فاعلية في الحرب القائة ، وعلى صعيد الخسائر تسببت الاستراتيجية الإيرانية القائمة على توسيع رقعة الصراع في توجيه ضربات للمنشآت بالصواريخ والمسبرات استهدفت الإمارات والسعودية والبحرين والكويت ووعُمان، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وعسكريين خليجيين وتضرر بعض البنى التحتية، وعلى الصعيد الاقتصادي فإن الحرب ومخاطر الملاحة في الخليج ومضيق هرمز ضربت قطاعات السياحة والطيران والاستثمارات الأجنبية، وهي أعمدة تقوم عليها الخطط التحولية لدول المنطقة.
بالمقابل فإن اهم أرباح دول الخليج تمثلت ارتفاع أسعار الطاقة، فرغم اضطراب سلاسل الإمداد فإن النقص الحاد في النفط الإيراني والتهديدات في هرمز قفزت بأسعار النفط إلى مستويات قياسية، مما وفر عوائد مالية ضخمة للدول المصدرة عبر منافذ بديلة، وفي جانب أخر فقد تحولت عواصم الخليج إلى مراكز ثقل تفاوضي لتهدئة الصراع بالتعاون مع قوى إقليمية ودولية مثل باكستان والصين، مما عزز مكانتها كصانعة سلام إقليمية تسعى لتجنب الانزلاق الكامل إلى الحرب.
5ـ دول الإقليم والقوى الدولية
تأثرت بقية دول المنطقة والعالم بشظايا هذه الحرب، وانقسمت النتائج بين خسائر فادحة لبعض الدول وصعود استراتيجي لأخرى، فلبنان بات يدفع الفاتورة الأكبر بعد إيران، وتحول الجنوب والبقاع والضاحية إلى ساحة حرب مفتوحة بين الكيان الغاصب وحزب الله، مما أسفر عن آلاف القتلى ودمار هائل في البنية التحتية اللبنانية المتهالكة أصلاً، وملايين النازحين، وأما العراق وسوريا فقد تحولت أراضيهما إلى ساحات لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل الصاروخية بين الفصائل الموالية لإيران والقوات الأمريكية، مما قوض سيادتهما وهدد استقرارهما الهش.
أما باكستان فقد حققت مكاسب دبلوماسية كبرى، حيث قادت ببراعة مفاوضات إسلام آباد التي أثمرت عن هدنات مؤقتة، مما رفع من أسهمها السياسية دولياً، ولايمكن المرور على الصين وروسيا إذ تعدان الرابحان الأكبر استراتيجياً، فالحرب استنزفت القدرات العسكرية والمالية الأمريكية، والتركيز السياسي لواشنطن بعيداً عن جبهات شرق آسيا وأوكرانيا، كما عززت بكين وموسكو نفوذهما في طهران عبر تقديم الدعم الدبلوماسي والاستخباراتي خلف الكواليس، مع الاستعداد لإعادة إعمار إيران لاحقاً ومشاركة أوراق اللعبة الأمنية في الخليج.
في المجمل تقف المنطقة اليوم تقف عند حالة استعصاء استراتيجي من كل الأطراف، فلا واشنطن قادرة على غزو بري وحسم المعركة نهائياً، ولا طهران قادرة على طرد أمريكا أو إزالة تل أبيب، والنتيجة هي حالة رمادية خطيرة من الضربات المتبادلة والهدنات الهشة، يدفع ثمنها الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي بانتظار تسوية كبرى قد تطبخ على نار هادئة، أو انفجار شامل -لا قدر الله- يبتلع المنطقة بكلها.
دمتم سالمين..