آخر تحديث :الأربعاء-10 يونيو 2026-10:51م

إندونيسيـــــــا.. ملحمة الحب والحرية

الأربعاء - 10 يونيو 2026 - الساعة 08:08 م
محمد أحمد بالفخر


هذا عنوان كتاب تأليف المبدع الحضرمي الدكتور محمد أبوبكر حميد ابن مدينة الشحر، المدينة التجارية الأولى لحضرموت وميناؤها الأول وبوابة حضرموت على العالم في ذاك الزمن القديم، والذي تخصص في الاهتمام والاعتناء بنتاج الأديب علي أحمد باكثير الكندي رحمه الله وأخرج الكثير منه من أرشيف الصحف والمجلات ومن دهاليز منزله القديم وأصحابه في كل مكان بجهدٍ نابعٍ من الحب والعشق لهذا العلم الحضرمي وربما لو كان للأديب باكثير أبناء لما قاموا بما قام به الدكتور حميد.

فقبل سنتين كنت في زيارة لأرض الكنانة، وفي مدينة القاهرة زرت الدكتور حميد إلى منزله على ضفاف نيلها العظيم، وحيث كنا نجلس في شرفة منزله أهداني كتابه الجميل الرائع هذا، ورصّعه بكلمات إهداء جميلة قال فيها "إلى أخي العزيز الغالي محمد أحمد بالفخر نموذج المثقف الحضرمي الحصيف الذي أنعم بصحبته وأفيد من الحوار معه.. مع خالص محبتي".

وحقيقة لا أصف مشاعري وأنا أتلقّى هديةً من هذا النوع وخاصة أن الكتاب يسجّل فترة تاريخية لأديب حضرموت ومفكرها العربي الإسلامي الأستاذ علي أحمد باكثير، ويتضمن كلّ ما كتبه عن مسقط رأسه إندونيسيا الحرة ومهجر الملايين من أبناء حضرموت الذين وجدوا فيها وطناً عشقوه وغرسوا جذورهم فيه، فكان ملاذاً آمناً لهم ومصدرَ عيشٍ وفيرٍ ورغيدٍ وهبهم الله إياه بعد أن قُدِرَ على حضرموت أن تكون أرضاً طاردة لأبنائها نتيجة عوامل كثيرة متعددة منها الجفاف وقلة الأمطار والسيول والمجاعات الشديدة المستمرة وظُلم الانسان لأخيه الإنسان من قتلٍ وتشريد وتهجير وتنمّر واستعلاء بعضهم على بعض من خلال تمايز طبقي مقيت جاء به القادمون من خارج حضرموت ليتمكنوا من السيطرة النفسية والروحية وبالتالي الاستحواذ على الامتيازات المادية وغيرها.

وقد صدّر الدكتور حميد كتابه بإهداء جميل إلى الشعب الإندونيسي العظيم الذي ضرب المثل الأعلى في الصبر على الجهاد من أجل دينه واستقلال وطنه، وسجّل أروع ملحمةَ كفاحٍ من أجل الحرية في تاريخ الأمة الإسلامية في العصر الحديث،

وإلى أبناء الأمة العربية والإسلامية نُقدِّم عطاء علي أحمد باكثير الفكري والفني نموذجاً حيّاً يشهد على وفاء ابنٌ برّ بمسقط رأسه.. إندونيسيا الباسلة...!

واستعرض المؤلف نبذة من حياة باكثير منذ ولادته بإندونيسيا حتى مجيئه إلى حضرموت ثم هجرته إلى مصر مروراً بمناطق ودول أخرى بعد أن ضُيّق عليه في حضرموت بسبب دعوته التنويرية الإصلاحية الداعية إلى الانفتاح على علوم العصر وذلك من خلال الأساليب الحديثة في التربية والتعليم وإنشاء جيلٍ جديدٍ لا يفكر بطريقة آبائه، ويعلن رفضه للتخلف والجمود الضارب أطنابه في المجتمع منذ قرونٍ مضت، فثارت عليه ثائرة الجامدين وعدّوا فعله ذلك مروقاً على ما تعوّدوا عليه في تعليم الأبناء وعدّه الغلاظ منهم خروجاً عن منهج أسلافهم،

وقال لهم:

أنا لم أدعُ إلى غير الهدى

وإلى غير نهوض المسلمين

أنَقُِمتم دعوةَ الناس إلى

سنةِ المختارِ خيرَ المرسلين

غادر باكثير حضرموت وكانت مصر العروبة صوب ناظريه فقد سبقته إليها كتاباته وأشعاره التي نُشِرَت في صحفها المتعددة وكان لها قبولاً لدى كبار الأدباء والكتاب في مصر،

وفي الوقت نفسه ظلّت إندونيسيا مسقط رأسه وبها أهله وأبناء شعبه تشغل تفكيره فكيف وبها الأحرار يسطرون ملاحم البطولات والمجد ليطهروها من الاحتلال الهولندي الذي يمتصُّ خيراتها وكذلك الاحتلال الياباني الطارئ الذي أتى أبان الحرب العالمية الثانية ليسجل انتصاراً على دول الحلفاء في الأرض الاندونيسية،

فكانت كتابات باكثير شعراً ونثراً تناصر الاحرار في الميدان وتُعرِّف بقضيتهم في العالم العربي والعالم الحر، فعشرات القصائد خصصها لإندونيسيا وأحرارها، فقال في أحد ابيات قصائده:

سلامٌ أرض إندونيسيا يا جنة الدنــــيا

سلامٌ إذ بعثتِ العــــزّ من أكفانه حيّــا

ومن أجمل ما سطرته أنامله تلك المسرحية التي أسماها (عودة الفردوس) سجل من خلالها تفاصيل مرحلة نضال الأحرار الإندونيسيين، فعندما تقرأها تشعر كأنك تعيش تلك المراحل وتتفاعل مع أحداثها.

وما أجمل لحظة الانتصار وقائد الثورة يخاطب الجماهير في ميدان الاستقلال يقول لهم انظروا إلى هذه الشجرة التي تظللكم بغصونها وأوراقها، ما أشد اخضرارها وما كانت لتكون هكذا لولا ارتواؤها بالماء فكذلك شجرة الحرية لا تزدهر وتخضر حتى ترتوي بالدماء.

فهل يجود أحرار العالم على شجرة الحرية بدمائهم؟!