ثمانية رؤساء، وخمسة وثلاثون وزيراً، وأكثر من خمسمائة وكيل وزارة، وثلاثمائة وخمسون عضواً في مجلس الشورى، وثلاثمائة وواحد أعضاء في مجلس النواب، هذا عدا عن السفراء والملحقين والهيئات والمستشارين والمجالس واللجان.*
*هذه الأرقام المرعبة ليست لليمن كاملاً، بل لنصف اليمن فقط. فتخيلوا معي لو جمعنا اليمن كله، شماله وجنوبه، شرقه وغربه. ستتضاعف الأعداد، وتتضخم المناصب، وتزداد المسميات، ويصبح لدينا جيش جرار من "القادة" و"المسؤولين" و"أصحاب القرار".*
*لكن السؤال الذي يطحن الروح: كل هؤلاء، بكل أختامهم وسياراتهم ومكاتبهم ومواكبهم، لم يستطيعوا وقف حرب الخدمات. لم يستطيعوا أن يضمنوا لمواطن بسيط قطرة ماء، أو ساعة كهرباء، أو كيس دقيق بسعر معقول، أو طريقاً بلا حفرة، أو مستشفى بلا وجع. فبالله عليكم، إذا عجزوا عن حرب الخدمات، فكيف لهم بحروب البناء وحماية البلد من الاخطار؟*
*هنا تظهر المفارقة التي تجلد الضمير. يمن واحد، بتاريخه كله، حكمته امرأة واحدة، فأوقفت تدميره وأنقذت أهله، وصنعت مجداً لا تزال كتب التاريخ ترويه بفخر.*
*إنها بلقيس الحكيمة، ملكة سبأ التي واجهت نبياً ملكاً أوتي من كل شيء. جاءته بالعقل قبل السيف، وشاورت قومها، واختبرت نبوته وعدله، فلما رأت الحكمة والآية، أسلمت مع سليمان لله رب العالمين طوعاً لا كرهاً. امرأة واحدة، بلا جيش من الوكلاء ولا فيلق من المستشارين، حقنت دماء شعبها وجنّبت مملكتها الخراب. صنعت ما عجز عنه ألف رجل من قادة اليوم.*
*نعم، الفرق شاسع بين الملك سليمان والملك سلمان، كما بين السماء والأرض. سليمان النبي كان له منطق الطير وجنود من الجن والإنس، وكان نبياً عادلاً لا يُظلم عنده أحد، فخضعت له بلقيس بعد أن رأت برهان النبوة والحكمة، فكان تسليمها لله أولاً، ثم للحق والعدل، فأنقذت شعبها ورفعت ملكها.*
*أما اليوم، فثمانية رؤساء ومئات الوزراء والوكلاء سلّموا قرار اليمن وقرار مصيره لغيرهم، لا عن حكمة ولا عن آية، بل عن عجز وتبعية وصراع على فتات المناصب. سلّموا وطنهم للوصاية والارتهان، لا طلباً للعدل بل هرباً من المسؤولية. فكان تسليمهم ذلاً، وكان تسليم بلقيس عزاً. هي أسلمت لتنقذ شعبها، وهم سلّموا ليُنقذوا كراسيهم. هي سلّمت بعد أن استشارت ورأت الحجة، وهم سلّموا قبل أن يفكروا وبعد أن باعوا.*
*لذلك صدق من قال: "إن هناك امرأة بألف رجل". لكن في اليمن تحديداً، قد تكون المرأة الواحدة بآلاف من أمثال قادته اليوم. فالقضية ليست قضية ذكورة وأنوثة، بل قضية عقل وحكمة وإرادة وصدق. القضية أن الكرسي لا يصنع قائداً، وأن المنصب لا يخلق هيبة، وأن الأختام لا تجلب الرحمة.*
*لقد ابتُلي اليمن بكثرة الرؤوس وقلة الرؤية. كلما زاد عدد الوزراء، زاد خراب الوزارات. وكلما تضخمت المناصب، تضاءل الإنجاز. أصبحنا أمة تُدار بالبيانات والتصريحات واللجان التي تلد لجاناً، بينما المواطن يموت ببطء بين طوابير الغاز وأزمات المياه وانقطاع الرواتب.*
*امرأة واحدة حكمت اليمن فازدهر. وآلاف الرجال يحكمونه اليوم فاندثر. امرأة واحدة وحدت الصف بالحكمة والشورى قبل القوة. ورجال اليوم مزقوا الأرض والقلوب معاً. امرأة واحدة جعلت من اليمن حضارة تُذكر في القرآن. ورجال اليوم جعلوه ساحة للموت والجوع والمنفى.*
*فهل العيب في اليمن؟ حاشا لله. اليمن ولّاد، وأرضه أرض الرجال والحكمة والإيمان. لكن العيب فيمن تصدروا المشهد، فظنوا أن القيادة تشريف لا تكليف، وأن الحكم غنيمة لا مسؤولية، وأن الوطن مزرعة خاصة لا أمانة في أعناقهم.*
*التاريخ لا يرحم. سيكتب أن اليمن في أوج حضارته حكمته امرأة فصانته، وفي أوج انكساره حكمه جيش من الذكور فضيّعوه. سيكتب أن بلقيس دخلت التاريخ من باب الحكمة والتسليم لله، وأن الآلاف اليوم خرجوا من التاريخ من باب التسليم للعباد والخيانة والعجز*
*فيا قادة اليمن بكثرتكم، خذوا درساً من امرأة. فالقيادة ليست بعدد الحقائب الوزارية، بل بقدر ما تحملون من همّ الناس في حقائب قلوبكم. ليست بعدد الاجتماعات، بل بقرار واحد شجاع يوقف نزيف وطن. ليست بالخطب العصماء، بل برغيف خبز يصل إلى جائع قبل أن ينام.*
*اليمن لا يحتاج إلى 8 رؤساء آخرين، ولا إلى 500 وكيل جديد. اليمن يحتاج إلى "بلقيس" واحدة في ضمير كل مسؤول. إلى حكمة بلقيس في قلب كل قائد. إلى امرأة أو رجل، لا يهم الجنس، المهم أن يكون إنساناً، يشعر، ويخاف الله، ويعرف أن الكرسي لو دام لغيره ما وصل إليه.*
*حتى ذلك الحين، سنظل نرددها بحسرة: كانت امرأة واحدة بألف رجل... أما اليوم، فألف رجل لا يساوون ظفر امرأة صنعت المجد.*