آخر تحديث :الخميس-11 يونيو 2026-02:52م

سوق العمل الإلكتروني والفقر الخفي (الطريق نحو عمالة الأطفال).

الخميس - 11 يونيو 2026 - الساعة 12:05 م
منى علي سالم البان


في الوقت الذي يحتفل فيه العالم في الثاني عشر من يونيو باليوم العالمي لمناهضة عمل الأطفال، تعود هذه القضية الإنسانية لتفرض نفسها على أجندة النقاش العالمي، ولكن هذه المرة في ظل تحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة يأتي في مقدمتها التوسع الكبير في سوق العمل الإلكتروني. وبينما يُنظر إلى الاقتصاد الرقمي بوصفه محركًا للنمو والابتكار، فإن آثاره الاجتماعية تثير تساؤلات مهمة، خاصة في المجتمعات التي تعاني من الفقر وضعف أنظمة الحماية الاجتماعية.

لقد أسهمت التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية في إعادة تشكيل سوق العمل التقليدي، حيث تراجعت الحاجة إلى العديد من الوظائف المرتبطة بالبيع المباشر والخدمات التقليدية، في مقابل ارتفاع الطلب على مهارات تقنية ورقمية متقدمة لا يمتلكها جزء واسع من القوى العاملة. كما أدى انتقال جزء من النشاط التجاري إلى الفضاء الإلكتروني إلى إحداث تغيرات في بعض القطاعات الاقتصادية التي كانت تمثل مصدر دخل لعدد كبير من الأسر، الأمر الذي فرض تحديات جديدة على العاملين غير القادرين على مواكبة متطلبات التحول الرقمي.

ومع تراجع الدخل أو فقدان فرص العمل لدى بعض الفئات، تتعرض الأسر لضغوط اقتصادية متزايدة تجعلها أكثر هشاشة أمام الفقر. وفي ظل هذه الظروف، يجد الأطفال أنفسهم في قلب المعادلة الصعبة، إذ قد تضطر بعض الأسر إلى الدفع بهم نحو العمل المبكر للمساهمة في توفير الاحتياجات الأساسية، على حساب حقهم في التعليم والنمو الطبيعي.

وتؤكد الأرقام الحديثة حجم التحدي العالمي القائم. فوفقًا لأحدث التقديرات الصادرة عن منظمة العمل الدولية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ما يزال نحو 138 مليون طفل منخرطين في سوق العمل حول العالم، من بينهم 54 مليون طفل يعملون في أعمال خطرة تهدد صحتهم وسلامتهم ونموهم السليم. كما تشير البيانات إلى أن قطاع الزراعة يستحوذ على النسبة الأكبر من عمالة الأطفال بنسبة 61%، يليه قطاع الخدمات بنسبة 27%، ثم قطاع الصناعة والتعدين بنسبة 13%، ما يعكس اتساع الظاهرة واستمرارها في قطاعات اقتصادية متعددة.

وهكذا تبرز مخاوف من أن تؤدي بعض الآثار الاقتصادية المصاحبة للتحولات الرقمية، في ظل غياب سياسات الحماية والتأهيل الكافية، إلى زيادة الضغوط على الأسر الفقيرة، بما قد يسهم في تنامي ظاهرة عمالة الأطفال. فكلما ضعفت الفرص الاقتصادية للكبار، ازدادت المخاطر التي تهدد الأطفال وتدفعهم إلى ترك مقاعد الدراسة والانخراط في سوق العمل مبكرًا.

غير أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب سياسات عادلة تواكب هذا التحول الكبير. فمكافحة عمالة الأطفال لا تبدأ من العقاب أو المنع فقط، بل من بناء اقتصاد قادر على استيعاب الكبار، وتوفير فرص عمل لائقة تحفظ كرامتهم، وتأهيل القوى العاملة لمتطلبات العصر الرقمي، إلى جانب تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للأسر الأكثر احتياجًا.

وفي اليوم العالمي لمناهضة عمل الأطفال، تتجدد الدعوة إلى جعل التحول الرقمي أداة للتنمية الشاملة لا سببًا في اتساع الفجوات الاجتماعية. فحماية الأطفال تبدأ من حماية أسرهم اقتصاديًا، وضمان حقهم في التعليم والحياة الكريمة، باعتبارهم الثروة الحقيقية لأي مجتمع يسعى إلى مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.

وفي هذا السياق، يصبح لزامًا رفع الكرت الأحمر في وجه عمالة الأطفال، باعتبارها انتهاكًا صريحًا لحقوق الطفولة، ورسالة للمجتمعات وصناع القرار بأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا عندما يبقى الأطفال في مدارسهم وملاعبهم، لا في أسواق العمل.


منى البان