آخر تحديث :الخميس-11 يونيو 2026-02:46م

حين يصبح الرحيل قوة لا ضعف

الخميس - 11 يونيو 2026 - الساعة 12:34 م
خالد مبروك غالب


مقولة أعجبتني وأحببت أن أقف عندها بتأمل، تقول:

"عندما يطير الغراب إلى قمة الجبل يغادر النسر، ليس ضعفاً منه، بل قناعةً بأنها لم تعد القمة"

سقوط المعنى قبل سقوط المكان

القمة في جوهرها ليست علواً عن سطح البحر، بل علواً عن السطحية. هي اختبار للقدرة، وميدان للاستحقاق، وعزلة لا يحتملها إلا من جُبل على العُلو.


فإذا ما وطئها الغراب بصخبه وضجيجه، بلا معيار يسبقه ولا ميزان يزن خطاه، أدرك النسر أن الخلل لم يعد فيه، بل في القمة ذاتها. المكان الذي تُشرَع أبوابه لكل عابر دون شرط، قد هوى من عليائه وتحول إلى مجرد صخرة مرتفعة.

النسر أجلّ من مصارعة الغربان

لم يُخلق النسر ليصارع من هم دونه. ففي جناحه قوة تُسقط الغراب، وفي عينه حدة تُفني صخبه. لكن معركته ليست هناك، لأن النصر على الضعيف لا يمنحه مجداً، والبقاء بينهم لا يمنحه إلا ابتذالاً.


إنه يغادر ليصون معنى "النسر" في داخله. يغادر ليحفظ لجناحيه شرف التحليق، ولعينيه نقاء الرؤية، ولقلبه عزة لا ترضى إلا بالأعالي.

الضعف ليس في المغادرة، وإنما في البقاء حيث اختلط الغث بالسمين، وحلّ الصراخ محل التحليق.


عبرة لمن يفقه

كم منصب كان قمة، فلما تزاحم عليه غير الأكفاء صار عبئاً؟

وكم من علاقة كانت سمواً، فلما غاب الاحترام صارت سجناً؟

وكم من فكرة كانت رائدة، فلما شاعت بلا وعي فقدت بريقها؟


العاقل كالنسر تماماً: إذا رأى المعايير تهبط والمكان يُبتذل، انسحب بصمت. ليس هروباً من التحدي، بل وفاءً لمبادئه. فبقاؤه في غير موضعه تشويهٌ له، ورحيله صونٌ لقيمته.


الخاتمة

لا تقِس عظمة النسر بعدد القمم التي وطئها، بل بعلوّ السماء التي اختارها ميداناً له.


فإذا رأيت الغربان قد احتلت قمتك، فاعلم أن رسالتك هناك انتهت.


وأن سماء أرحب، وقمة أليق، تنتظرك بعيداً عن الضجيج.


فامضِ...

فالنسور لا تُخلق لتحط حيث تحط الغربان.