الجزء الثاني: الفخ الجيوسياسي وقوة الـ (لا) العربية الشجاعة.
1. مرآة "طوفان الأقصى" وسقوط أقنعة الصبر الاستراتيجي
في ظل هذا التمدد الإيراني من جهة، ومشاريع الدمج الإقليمي التي كانت تقودها واشنطن من جهة أخرى، جاء "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر ليقلب الطاولة بالكامل ويفجر المشهد من أساسه. لقد وضعت هذه الهزة العنيفة الحضارة الإنسانية والمنظومة الدولية برمتها أمام محك الحقيقة العارية، وافرزت العالم إلى فسطاطين لا رمادية بينهما: فسطاط إيمان بالحق الإنساني والوطني المبدئي، وفسطاط نفاق وتوظيف سياسي نفعي.
وعلى الهواء مباشرة، شنت الآلة العسكرية الإسرائيلية حرب إبادة وتدمير شامل لم تستثنِ شيئاً؛ دُمر الحجر والبشر والشجر وحتى البقر. استُهدفت المساجد، والكنائس، والمدارس، والمستشفيات، وقُتل الأطفال، والنساء، والأطباء، والمسعفون، والإعلاميون، وضباط الشرطة، بل بلغ الإجرام باستهداف الأطفال الخدج في حاضناتهم. فُرض حصار خانق منع شربة الماء عن الأحياء، وأُحرقت المزارع وضُربت أي محاولة لزراعة الخضار. ووسط هذا السواد الحالك، صمت العالم، وكانت إيران وصاحبة الشعارات المدوية الصورة الأكثر مثالية لهذا الصمت والانكفاء لحماية مصالح النظام السياسية.
ثم جاءت لحظات الاختبار القاسية لتكشف زيف نظرية الردع الإيرانية؛ ففي غمرة الأحداث، جاءت الأخبار العاجلة باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية — رحمه الله — وليس في أي مكان، بل في قلب عاصمة الجمهورية الإسلامية طهران، وداخل غرفة نومه في مجمع محصن يتبع للحرس الثوري الإيراني مباشرة. فماذا كان رد فعل طهران على هذه الإهانة الاستراتيجية لسيادتها وحرمة ضيفها؟ الهروب نحو مصطلح "الصبر الاستراتيجي"، الذي تحول في الوعي الجمعي العربي إلى مرادف للعجز والبراغماتية المفرطة.
وتكرر المشهد بصورة أكثر إحراجاً مع اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، الدرة الثمينة في تاج النفوذ الإقليمي لطهران. وتحت وطأة الحرج الشديد وأمام انهيار مشروعيتها الأيديولوجية، اضطرت إيران — وبالتنسيق المسبق عبر قنوات خلفية مع الأمريكيين لتحديد السقوف والتوقيت كما أكدت التقارير الاستخباراتية — إلى القيام بضربات صاروخية محدودة واستعراضية ضد الكيان الإسرائيلي، لم تسفر عن خسائر استراتيجية ولم يُقتل فيها أحد تقريباً. وصولاً إلى حرب الاثني عشر يوماً، التي وعلى الرغم من تماسك بعض الدفاعات الإيرانية محلياً، انتهت بضربة عسكرية وتوقيع أمريكي حاسم، أعلن على إثره دونالد ترامب تدمير أجزاء حيوية وحساسة من المفاعلات النووية الإيرانية، واضعاً حداً لأسطورة الردع النووي الإيراني قبل أن تكتمل.
2. السيناريو السريالي ومصيدة الإنهاك المشترك
تصل الحكاية إلى قمة حبكتها الجيوسياسية المعقدة، حين دخلت إيران في حوار غير مباشر (بمساعدة ووساطة عربية) مع الولايات المتحدة الأمريكية للوصول إلى حل ينهي العقدة النووية. وفي غمرة هذه الأجواء الدبلوماسية، تفاجأ العالم بهجوم عسكري مشترك عنيف وصاعق بين واشنطن وتل أبيب، تجاوز الخطوط الحمراء كافة، وأسفر عن مقتل كبار قادة البلاد العسكريين والسياسيين، بما فيهم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، فضلاً عن تدمير مؤسسات الدولة واستهداف البنية المدنية.
أظهرت هذه الحرب استباحة تامة لسماء إيران، وبدا واضحاً حجم عجزها على مستوى الدفاع الجوي والتقني. ومع ذلك، حاولت طهران امتصاص الصدمة والبدء بردة فعل؛ فوجهت في البداية ضربات نحو العمق الإسرائيلي كسبت بها تعاطفاً شعبياً عاطفياً إسلامياً وعربياً. لكن المفاجأة الصادمة تجلت عندما حوّلت طهران صواريخها ومسيراتها نحو دول الخليج العربي، مستهدفة منشآت مدنية واقتصادية حيوية، تحت مبرر واهٍ هو "استهداف القواعد العسكرية الأمريكية".
هنا ينكشف "الفخ التاريخي والمخطط الخبيث" المتقاطع بين أطراف الصراع على حساب العرب:
المخطط الأمريكي-الإسرائيلي: يسعى إلى إشعال الفتيل وجر الدول العربية إلى حرب طاحنة وشاملة ضد إيران ليست حربهم، ثم الانسحاب تدريجياً إلى مقاعد المتفرجين، لتتحول واشنطن إلى دور "المستشار وتاجر السلاح"، تاركة القدرات الاقتصادية والبشرية للعرب ولإيران تتحطم وتتآكل في مواجهة صفرية متبادلة، تضمن خروج الطرفين من معادلة القوة العالمية لعقود.
الرؤية الإيرانية الانتهازية: تتقاطع مع هذا المخطط من زاوية أخرى؛ فبما أن إيران خسرت قادتها، ومؤسساتها، وبرنامجها النووي، فليس لديها ما تبكي عليه أو تخسره (صناعة اللاشيء / عقلية شمشون). وبالتالي، فإن ضرب وتدمير الحواضر والمنجزات الاقتصادية الخليجية المزدهرة يجعل الجميع متساوين في الركام، ويسمح لنظامها المتهاوي بالظهور أمام بيئته كدولة منتصرة أدبت "عملاء أمريكا وإسرائيل" في المنطقة.
3. وعي "البناء" وقوة الـ (لا) العربية الشجاعة
أمام هذا المنعطف البالغ الخطورة، وعلى غير ما كانت تتوقعه مراكز صنع القرار الدولي والدوائر الغربية، أثبت العقل السياسي الخليجي نضجاً استراتيجياً استثنائياً. لقد كان خيار الصبر، وضبط النفس، وعدم الانجرار وراء ردود الفعل العاطفية خياراً ناجحاً بامتياز، قطع الطريق على طرفي المؤامرة ومنع إيقاع العرب في الفخ المعد لهم.
إن هذا المخطط كان يمكن أن ينجح لو كان الحاكم بغرائز الماضي وسرعة الانفعال (كنموذج الرئيس صدام حسين رحمه الله)، لكن الواقع أثبت أن دول الخليج العربي قد قطعت شوطاً طويلاً وعميقاً في معركة البناء، والتنمية، والتفوق التكنولوجي، وامتلاك الوعي السياسي الذي يرى في الحفاظ على المكتسبات الوطنية خط الدفاع الأول. نجحت الدفاعات الجوية الخليجية في التصدي لمعظم الصواريخ والمسيرات الإيرانية لحماية أمنها؛ في حين أظهرت المعطيات أن دولة الإمارات العربية المتحدة ذهبت لتغرد خارج سرب الإجماع الخليجي، في موقف غير مفهوم متجاوزا الواقعية السياسية التي انتهجتها باقي دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية تجاه الصراع الدائر بين والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هذا الموقف الذي يرى فيه بعض المهتمين بالشأن الخليجي أنه يعكس إعادة تموضع لابوظبي باتجاه محور تل أبيب نيودلهي أديس أبابا.
وبعيدا عن موقف أبوظبي فإن سياسة الصمود الخليجي الواعي يعيدنا إلى نقطة البداية، ليكشف الستار عن المشهد السريالي الأكثر مأساوية وسخرية: دولة طالما ادعت التزعم الأيديولوجي لـ "محور المقاومة" ضد إسرائيل، تنتهي بها اللعبة لتتحول صواريخها، ومسيراتها، وفوضاها الإقليمية إلى مجرد "سوط وورقة ضغط" في يد الرئيس الأمريكي (ترامب)، يشهرها في وجه العرب ويبتزهم بها! لسان حال واشنطن يقول بوضوح: "إما أن تدخلوا مكرهين وتحت ضغط الصواريخ الإيرانية إلى (الاتفاق الإبراهيمي) وتمنحوا إسرائيل الشرعية والدمج، أو سنرفع غطاءنا ونطلق يد طهران لتدمير اقتصادكم ومدنكم".خاتمة الحكاية
ينزل الستار على هذه الحكاية الطويلة الممتدة ليعرّي مشروع "الثورة الإسلامية" ويسقط عنه آخر ورقة توت. لقد ثبت بالدليل القاطع أن السياسة في طهران لا تقاد بالبديهيات الاستراتيجية للمدرسة الواقعية التي تفرض حماية العمق الإقليمي واستقرار الجيران، بل تقاد بعقلية إمبراطورية براغماتية استثمرت في الدم العربي وعاثت في حواضره الفوضى لعقود، لتأتي واشنطن اليوم وتطالب العرب بتصفية الحساب المالي والسياسي لتلك اللعبة الطويلة.
لكن الكلمة الأخيرة في هذه الحكاية يكتبها الوعي العربي الراهن. إن الجزم بأن العرب يمتلكون القوة والشجاعة لقول (لا) شجاعة ومدوية ليس انحيازاً عاطفياً، بل هو قراءة في مكامن القوة والسيادة التي باتت تمتلكها العواصم العربية الوازنة؛ "لا" ترفض التفريط بالحقوق التاريخية والمشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة كشرط أساسي لأي سلام إقليمي، وترفض في الوقت ذاته أن تكون منجزات العرب وحواضرهم وقوداً في محرقة الصفقات الدولية المشبوهة، أو ثمناً لإنقاذ إسرائيل، أو ضحية لابتزاز صواريخ الشعارات الزائفة.