آخر تحديث :الجمعة-12 يونيو 2026-04:42م

حينما تلجأ الأنظمة الفاشلة إلى استخدام القوة ،،،

الجمعة - 12 يونيو 2026 - الساعة 09:28 ص
د. سعيد سالم الحرباجي



في السياسة، ليست القوة دليلًا على الحكمة، كما أن ارتفاع صوت السلطة لا يعني بالضرورة ارتفاع هيبتها. ففي كثير من الأحيان، يكون اللجوء إلى العصا اعترافًا غير معلن بأن لغة العقل قد فشلت، وأن الإدارة عجزت عن معالجة أسباب الأزمة، فاختارت أن تواجه نتائجها.


في مدينة عدن، حيث تتقاطع حرارة الصيف مع حرارة المعاناة، خرج الناس إلى الشوارع لا حاملين مشروعًا للانقلاب، ولا رافعين رايات الفوضى، بل حاملين أطفالًا أرهقهم الحر، وشيوخًا أثقلهم المرض، وفرشًا افترشت الأرصفة بعدما تحولت البيوت إلى أفران لا تُطاق.


لم يكن في أيديهم سلاح، ولم تكن على ألسنتهم شعارات إسقاط أو انتقام، بل كان مطلبهم في غاية البساطة: كهرباء تخفف عنهم قسوة الحر، وتحفظ لأطفالهم حقهم في النوم، وللمرضى حقهم في التنفس، وللناس شيئًا من كرامة الحياة.


لكن المأساة الحقيقية تبدأ حين تفقد السلطات القدرة على التمييز بين الاحتجاج المشروع والتمرد، وبين المطالبة بالخدمات والخصومة السياسية، فتقرأ صرخات الجوع بعين الأمن، وتفسر أنين الأطفال على أنه تحدٍ لهيبة الدولة، وتتعامل مع المطالب الخدمية وكأنها مؤامرة تستوجب الرد بالقوة.


وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فالحكومة التي عجزت عن تشغيل محطة كهرباء تعتقد أنها قادرة على إطفاء غضب الناس بالقوة، وكأن الهراوات تستطيع تبريد البيوت، أو أن الانتشار الأمني قادر على إنارة الشوارع، أو أن إسكات الأصوات يمكن أن يلغي أسبابها.


إن استخدام القوة في مواجهة المطالب المشروعة لا يحل الأزمات، بل يؤجلها، ويزيدها تعقيدًا، ويزرع في النفوس شعورًا بأن الدولة تسمع كل شيء إلا صوت مواطنيها.


والتاريخ منذ فجر الإنسانية يروي القصة ذاتها بأسماء مختلفة.

وقف فرعون يومًا يملك الجند والسلطان، وظن أن البطش قادر على إخماد صوت الحق، وأن القوة تستطيع أن تمنع الناس من الإيمان بالحقيقة....

فكانت نهايته عبرةً خالدة، وبقي اسمه شاهدًا على أن الطغيان مهما بلغ فإن العدالة الإلهية والتاريخية أقوى منه.


ثم تعاقبت القرون، وتكرر المشهد بأشكال مختلفة...

حكام ظنوا أن السجون تكفي لإسكات الشعوب، وأن القبضة الحديدية يمكن أن تهزم الجوع، وأن الخوف يصنع الولاء.....

فإذا بالأيام تكشف أن القوة قد تفرض الصمت زمنًا، لكنها لا تستطيع أن تصنع الرضا، ولا أن تقتل فكرة، ولا أن تطفئ ألمًا.


وفي العصر الحديث، رأى العالم كيف تهاوت أنظمة كانت تبدو راسخة، وتجذرت لعقود طويلة، وكانت تملك أجهزة أمن وجيوشًا وإمكانات هائلة، لكنها لم تستطع الصمود حين اتسعت الفجوة بينها وبين شعوبها؛ لأن الشرعية التي لا تتجدد بخدمة الناس تذبل مهما أحاطتها الأسوار.


إن القوة ليست علاجًا للأزمات، بل مسكنٌ مؤقت، وما إن يزول أثره حتى يعود الوجع أشد مما كان.

أما الإصلاح الحقيقي فيبدأ حين تصغي الدولة إلى مواطنيها قبل أن تضطر إلى سماع غضبهم، وحين تدرك أن بناء الثقة أقل كلفة من بناء الحواجز.


فإلى كل مسؤول بيده القرار، في محافظة عدن أو في أي موقع من مواقع المسؤولية، نقول: التفتوا إلى الناس قبل أن يسبقكم الزمن، أصلحوا الخدمات، وخففوا معاناة المواطنين، واسمعوا أنين المرضى، ودموع الأمهات، وصبر الآباء، ولا تمتحنوا صبر الجائعين والمطحونين، فإن صبر الشعوب واسع، لكنه ليس بلا نهاية.


إن الأوطان لا يحرسها الخوف، ولا تبنيها الهراوات، ولا تستقر بالقمع، وإنما يحفظها العدل، وتصونها الحكمة، ويقويها شعور المواطن بأن دولته تقف إلى جانبه لا في مواجهته.


ولعل أعظم درس يقدمه التاريخ لكل سلطة أن الشعوب تبقى، أما الحكومات فتمر، وأن من يزرع العدل يحصد الاستقرار، ومن يزرع الخوف لا يجني إلا خوفًا أكبر.


فالقوة قد تؤخر السؤال، لكنها لا تلغي الإجابة، وقد تؤجل الغضب، لكنها لا تمنع عودته، أما الإصغاء إلى الناس، ومعالجة آلامهم، فهو الطريق الأقصر إلى أمن الدولة، وهيبة السلطة، واستقرار الوطن.


ختامًا...

ونحن إذ نقدم هذه النصيحة لأصحاب القرار في مدينة عدن، لا نقصد الإساءة لأحد، ولا الانتقاص من حق أحد، ولا نسعى إلى إثارة الفوضى، ولا نحبذ أساليب المناكفات السياسية الرخيصة. حاشا وكلا.

وإنما هو واجبنا الوطني، والأخلاقي، والشرعي تجاه وطننا وأهلنا، وإبراءً للذمة أمام الله ثم أمام التاريخ.


وفي الوقت نفسه، فإننا ندين كل أعمال العنف، والشغب، والتخريب، وإثارة الفوضى.

كما نرفض استغلال معاناة الناس لتحقيق أغراض شخصية أو مكاسب سياسية ضيقة، لأن الأوطان لا تُبنى على الفتن، ولا تُصلحها الفوضى، وإنما ينهضها الحوار، ويصونها العقل، ويجمع أبناءها الإخلاص لمصلحة الوطن فوق كل اعتبار.