إذا مررت يوماً بمجتمع ترى فيه الرجال يتهامسون بالحق كأنه جريمة، وترى غيرهم يصرخون بالباطل كأنه شرف، فتوقف لحظة. لا تسأل عن الاقتصاد ولا عن السياسة. اسأل عن العقل الذي سُلب، وعن الكرامة التي مُحيت.
الخوف لا يبدأ كبيراً. يبدأ بسؤال بسيط تبلعه قبل أن يخرج: هل أتكلم؟ ثم تكبر المسافة بين ما تؤمن به وما تنطق به، حتى يصير لسانك نسخة ثانية منك. نسخة مطيعة، تبتسم في المكان الغلط، وتصمت في الوقت الغلط. في المجالس العامة يمدح، وفي المجالس الخاصة يشتكي. يكتب تعليقاً ثم يمسحه. وهكذا يتحول الحق إلى همس، والهمس لا يبني وعياً، يبني تواطؤاً. كل واحد يسمع الهمس ويظن أنه الوحيد الذي فهم، فيسكت أكثر، حتى تصير السكوت هي القاعدة والصوت هو الشذوذ.
لكن الاستبداد لا يكتفي بالسكوت. بعد أن يكسر صوت الحق، يملأ الفراغ بضجيج الباطل. والباطل يعرف ضعفه، فلا يملك إلا الصراخ. يتهم ويبالغ ويقلب الحقائق، ثم يطلب التصفيق. والغريب أن الناس تصفق. ليس اقتناعاً، بل خوفاً من كسر الصف. فينقلب الميزان. يصير الكذب شجاعة، والصدق وقاحة، والوعي تهمة. يفتخر أحدهم بأنه يعرف اللعبة، وأنه يمشي مع التيار، وهو لا يدري أن التيار يمضي به إلى الهاوية.
وهنا يصل الاستبداد إلى غايته. لم يعد يحتاج إلى العصا. صار عنده سلاح أخطر: ذاكرة مهترئة. أول كذبة ينخدع بها الإنسان غصباً عنه. والثانية يبررها. والعاشرة يضحك عليها. أما الألف، فيصدقها ويغضب إن شككت فيها. لأن الاعتراف بالكذب يعني الاعتراف بالغباء، والإنسان يفضل أن يصدق جلاده على أن يعترف بأنه انضحك عليه ألف مرة.
العقل البشري يعتاد. والألم الذي يتكرر يصير وضعاً طبيعياً. والوعد الذي يتأجل مئة مرة، في المرة الواحدة بعد المئة تسمعه بقلبك قبل أذنك. ليس لأنه صدق، ولكن لأنك تعبت من الانتظار. صار التصديق أرحم من المواجهة.
وهذه لحظة مسح العقل ومحق الكرامة. الكرامة ليست شرفاً ولا لقباً. الكرامة هي قدرتك أن تقول لا دون أن ترتجف. لكن متى يصل الإنسان إلى هذه اللحظة؟ حين يصير جلده سميكاً، وقلبه ميتاً. يرى الظلم فيقول ما باليد حيلة، ويرى الحق فيقول ليس وقته.
انتبه. العقل لا يمسح مرة واحدة، والكرامة لا تمحق دفعة واحدة. كلها تبدأ بهمسة سكت عنها. فلو أردت أن تستعيد نفسك، فابدأ بالعكس: اهمس بالحق ولو وحدك، حتى يقوى صوتك.