لم يعد الصيف في عدن فصلاً عابراً في تقويم الطبيعة، بل أداة عقاب جماعي تفرضه بنية خدمية مهترئة وسياسات خذلان ممنهجة من قبل سلطات تتقن الهروب من المسؤولية. هنا، حيث تلتهم ساعات الانطفاء الثماني عشرة ليل المدينة ونهارها، تسقط خطابات الوفاء والصمود الزائفة لتكشف عري الواقع الحقيقي. فالإنسان الذي يقضي ليله غارقاً في عرقه، والأم التي تنهك جسدها وهي تلوح بكرتونة واهية فوق أطفالها، لا يبحثون عن مديح لصبرهم الأسطوري؛ بل يطالبون بحقهم الطبيعي في نسمة هواء باردة، وكوب ماء نقي، وساعتين من النوم الآمن يحفظان ما تبقى من كرامتهم الإنسانية.
مع غياب الشمس، تبدأ فصول النزوح الداخلي الصامت. من أزقة كريتر العتيقة، وحواري الشيخ عثمان المكتظة، إلى المعلا والمنصورة، يرقب الناس مؤشر الكهرباء بذعر جماعي تحول بفعل الاعتياد إلى نمط حياة قسري. وحين يطبق الظلام وتتوقف المراوح، تبدأ الجدران الإسمنتية الضيقة برمي حمم الحرارة التي خزنتها طوال النهار داخل غرف تفتقر لأدنى معايير التهوية الصحية. يتحول المنزل من مسكن وملاذ آمن إلى زنزانة خانقة لاهبة، ويغدو النوم أمنية مؤجلة وخياراً لا يناله إلا المحظوظون.
في هذه الساعات الثقيلة، يتجلى العجز في أقسى صوره البصرية والجسدية. لا مجال هنا للشاعرية؛ هناك فقط أطفال يتلوون من الرطوبة الخانقة، وشيوخ يتكدسون قرب عتبات البيوت في ممرات الضوء الباهت بحثاً عن نسمة هواء تائهة، وأمهات يسابقن الوقت بجهد عضلي مضنٍ لتهدئة بكاء الرضع. هذا النزوح اليومي العارم إلى الأرصفة العامة، والفرار الجماعي نحو شواطئ البحر، ليس طقساً اجتماعياً ترفيهياً أو نزهة مسائية تحت النجوم كما قد يتخيله العابر، بل هو هروب غريزي واحتجاج غير واعٍ للأجساد المنهكة التي تبحث عن انتزاع لحظات يسيرة من الراحة فوق الأرصفة الصلبة أو رمال الساحل قبل أن يعاود نهار العمل والإنتاج طحنها من جديد.
إن هذه المعاناة في عدن ليست مجرد إحصائية جافة تسجلها التقارير عن "ساعات العجز الميغاواتية" أو مستويات الرطوبة؛ بل هي مأساة حية ترتسم على ملامح أناس نعرفهم بالاسم والوجه والوجع اليومي:
هي في وجه جارنا الخمسيني الذي يفتك داء "الأكزيما" بجلده الملتهب، محولاً ليله إلى جحيم من الألم والحكة المستمرة التي يغذيها الحر الشديد والرطوبة العالية. وحين تحاول التدخل بمرهم جلدي أو مساعدة مادية متواضعة، تدرك على الفور عمق الفجوة الهيكلية؛ فالدواء لا يمكن أن يصنع مفعوله في بيئة ملوثة بالحرارة والخانق الممتد ليل نهار، ليتضح أن المشكلة ليست في غياب العقار بل في غياب المقومات الأساسية للتعافي الإنساني.
وهي أيضاً في قصة جارنا الآخر، الموظف البسيط الذي جاء يسأل بجسد منحنٍ عن إمكانية شراء جهاز تكييف بالتقسيط لإنقاذ زوجته المريضة التي قاربت على الاختناق. في هذه اللحظة بالذات، تتكشف البنية الطبقية للأزمة؛ فالجميع يتقاسم الوجع ذاته لكن الهشاشة الاقتصادية تمنع التدخل. إن رواتب الموظفين المتآكلة بفعل انهيار العملة، والديون المتراكمة التي تثقل كواهل الأسر، حولت رغبة التكافل الاجتماعي إلى عجز جماعي متبادل؛ حيث يصارع كل فرد أمواجه الخاصة لينقذ نفسه أولاً قبل أن تمتد يده لغيره.
لذلك، فإن الكلمات المستهلكة من قبيل "عدن مدينة الصبر" و"الشعب الصامد الذي لا ينكسر" ليست سوى محاولات تخديرية لتبرير الفشل الإداري والسياسي القائم. فالتحمل ليس صك قبول بالواقع المتردي، والصبر لم يكن يوماً بديلاً للحقوق الخدمية الأساسية. إن إعادة تدوير هذه الكليشيهات اللغوية البالية تسهم بشكل مباشر في إخفاء المطلب الشعبي الأبسط والأكثر مشروعية: الحق في حياة طبيعية عادلة.
تمتلك عدن واجهتها البحرية الساحرة وإرثاً تاريخياً وحضارياً مهيباً، لكن هذه الرموز المعنوية لا تبدد حرارة الصيف الخانقة، والتاريخ لا يدير مروحة معطلة لإنقاذ طفل يختنق من الربو، ولا يخفف عن مريض أنهكته الحميات. إن استمرار تجاهل ملف الخدمات الأساسية وتحديداً ملف الكهرباء، وتركه فريسة للفساد السياسي والمحاصصات الضيقة، سيبقي كل النصوص الصحفية والخطابات الرسمية عاجزة عن ملامسة جوهر الكارثة. لقد تعبت عدن من تجميل القبح ووصف المأساة بكلمات منمقة؛ وما ينتظره أبناء هذه المدينة اليوم ليس ثناءً زائفاً على جلدهم، بل قرار جريء يعيد النور لبيوتهم ويحفظ كرامة أجسادهم المتعبة تحت سماء مدينتهم الحارة.