آخر تحديث :السبت-13 يونيو 2026-06:10م

بين غربة الحاضر وأمجاد الماضي..غربة الانسان والزمان

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 11:06 ص
منصور بلعيدي


في تقلبات الصراع الأزلي بين الأجيال، وثنائية الماضي والحاضر، يبرز تساؤل وجودي عميق يطرق جدران النفوس الصامتة: هل يمكن للمرء أن يعيش غريباً في خارطة زمنه؟


الإجابة تأتي بنعم قاطعة، عندما يجد الإنسان نفسه مجرد "بقية من ماضٍ" عابر، يحاول عبثاً التشبث بتفاصيل حاضرٍ لا يشبهه، ولا يترجم تطلعاته.


بالأمس القريب، كنا وكأن الزمان قد فُصِّل على مقاس طموحاتنا؛ عشنا في واقع يشبهنا تماماً ونشبهه حد التطابق.

كنا عمالقة ذلك العصر، وفرسان ذلك الواقع الذين لم يعرفوا الانحناء.

طوّعنا معوقات الزمن وتحدينا تضاريسه لصالحنا، فكادت الأرض من حولنا تتحدث لغتنا، وكان عنفوان الحياة ينسج من مواقفنا أقاصيص تروى، ونفوسنا السامقة تحمل شموخاً لا ينكسر، ومشاعر تبث للدنيا بأسرها أسمى الأحاسيس.


لقد كان ذلك الزمان زماننا بامتياز، تشرق شمسه لتضيء ملامحنا، وتغرب لتودع إنجازاتنا.


*صدمة الواقع الجديد.*

أما اليوم، فقد تبدلت الملامح وتغيرت الوجوه، ووقفنا أمام واقع جديد غريب الملامح والقيم.

حاولنا جاهدين، وبكل ما أوتينا من مرونة، أن نتأقلم مع تفاصيله وأدواته، لكننا عجزنا.. عجزنا لأن هذا الحاضر لم يعد يشبهنا في شيء، ولم يعد يتسع لتلك الروح المترفة بالقيم والمبادئ الرفيعة.

أمام هذا الجفاء الزمكاني، وجدنا أنفسنا نهرع إلى الوراء، نسافر إلى "الأمس" كثيراً، نلوذ بأطلاله وتفاصيله؛ فمعظم الأشياء التي بقيت هناك، في ضفة الماضي، كانت أرقى، وأجمل، وأنقى، كما نراها وتلمسها أرواحنا المتعبة.


"إننا نعيش اليوم حالة من الاغتراب النفسي والشعوري الوجع، حالة لا يعلم مدى عمقها وقسوتها إلا الله سبحانه وتعالى."


*عندما يغترب "الفرسان" في زمان ليس زمانهم.*

إن هذا الشرخ الوجداني بين ما كنا عليه وما آل إليه واقعنا، يضعنا أمام علامة استفهام حائرة، وسؤال يتردد في جنبات الروح بمرارة:

*هل صرنا حقاً حملاً ثقيلاً على هذا الحاضر؟!*

*أم أن الحاضر هو الذي ضاق ذرعاً بفرسان الزمن الجميل؟*


إنها صرخة عتاب صامتة يطلقها جيل بناة القيم، في زمن باتت فيه الأصالة عملة نادرة، ليظل السؤال معلقاً بين حنين يشدنا للوراء، وحاضر يدفعنا للتهميش.