كانت السماء ملبدة بالغيوم الداكنة الممطرة ..وعلى رؤوس الأشجار تحلق العصافير، وتشدو بأعظم التغاريد ،وبدت الأرض من حوله خضراء تسر الناظرين .. وعلى مقربة منه تنتشر قطعان ما شيته ترتع ،وتلهو بين الأعشاب،،وكأنها درر منثورة بألوان جميلة متناسقة ..
يمم وجهه نحو القبلة وشرع في أداء صلاة العصر ومضى فيها حتى التشهد الأخير ،وفي هذه الأثناء سمع وقع أقدامهم يقترب منه ..قال أحدهم بصوت مرعب هذا أحد جواسيس الطواغيت ..اهتز قلب ناصر هزة لم يشهدها منذ ولادته..وقال آخر دعه حتى يكمل صلاته ثم نحاسبه .
كانت الأفكار والهواجس تتزاحم في ذهن ناصر ولم يكن أمامه سوى النهوض لاستئناف الركعات عسى أن يحين الفرج ويأتي من ينجده ..أخذ يرادف الركعات ركعة تلو أخرى دون أن يسلم حتى وصل إلى الركعة العاشرة أو يزيد كانت أبصارهم شاخصة نحوه، وألسنتهم تسلقه بكلمات قاتلة مرعبة ،وهو مازال يواصل ركعاته ومع كل ركعة يزداد قلبه خفقانا ولكنه لم يتوقف،بل أخذ يرادف الركعات في غير وعي ولا بصيره ..لم تكن صلاته هذه فرضا ولا نافلة أنها صلاة جديدة لم يفعلها منذ أن خلق ..
وفي خضم المعمعة قال في سره ..لو كان سلاحي عندي لكان لي تصرف مع هؤلاء الغرباء المجرمين ،،ولكن تذكر أن بندقيته الآلية قد أجرها لابن جارهم الذي ألتحق بقوات المقاوير وشرطوا عليه أن يحضر سلاحه معه..وشرد بفكره نحو قطعانه فقال في نفسه ليتها عصبة من الرجال يدرأون ما حل بي ..وفي هذه الأثناء رن تلفون أحدهم وسمع قائدهم وهو يأمرهم بالتحرك فورا باتجاه التل المحاذي لمزرعة ناصر لمهمة عاجلة لا تحتمل التأخير .. تحركوا في سرعة خاطفة نحو التل وبقي ناصر متجمدا في مكانه جاثما على ركبتيه،وماهي الا لحظات حتى دوى انفجار هائل،فتطايرت الشظايا والأشلاء في سماء تلك البقعة.. وعلت سحابة كثيفة من الدخان ، وتكومت قطعان الماشية بالقرب من ناصر وقد بدأ ثغاؤها وأنينها يملأ المكان رعبا وألما ،،وعلى مقربة منها كان كلبه الوفي يلفظ أنفاسه الآخيرة ..
كانت اقدام ناصر تجره نحو المجهول وتسابق تباريح الريح تمرق من بين الأشجار ..مضى شاردا أشعثا حافي القدمين ،
وخيل إليه أن أمه تقف على مرمى البصر وتلوح إليه للمجيء نحوها ....