آخر تحديث :الإثنين-15 يونيو 2026-11:17ص

صراع الردع والتفاوض بين أمريكا وإيران وحدود الدور الإسرائيلي

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 02:11 م
د. جمال الهاشمي


يخضع الصراع المعاصر بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لظاهرة جيوسياسية معقدة يمكن وصفها باستراتيجية الثعلب واقصد هنا التساوي بالحيل فأمريكا تملك دبلوماسية واقعية تراكمت زهاء أربعة قرون بينما تحاول إيران أن تستعيد تاريخها الحضاري بصيغ هجينة تجمع بين التراث والنزعة القومية والعقيدة .


وهو ما جعل من هذه الصياغة حالة فريدة من التأرجح الدائم بين حافة الهاوية العسكرية وبين الصياغات الدبلوماسية الحرجة.

و المشهد لا يعبر عن الحسم العسكري عبر اللجوء إلى القوة كما لا يعكس الذهاب إلى التفاوض الرغبة في السلام الشامل.

ومن هنا ندرك أن استخدام كلاهما أدوات ضغط متبادلة يمارس فيها كل طرف لعبة عض الأصابع لتحسين شروطه وموقعه الاستراتيجي.

وإيران تدرك عبر النموذج الروسي والصيني أهمية وجودها في قلب الصراع لاثبات موقعها في بيئة إقليمية لم تكن من قبل جزءا منها بينما تحولت اليوم عبر عقيدتها وتبنيها قضية المظلومية الفلسطينية إلى قوة مؤثرة .


إن هذا التداخل بين لغة البارود ولغة الدبلوماسية ينبع من إدراك الطرفين للكلفة الكارثية لأي مواجهة شاملة قد تدخل المنطقة والعالم في نفق مظلم من الحسابات غير المحسومة حيث أنه لا منتصر فيها مما يجعل الاستعراض العسكري والردع المحسوب خيارا مفضلا لتجنب الصدام المزمن التي تعاني منه منطقة العالم العربي.

وفي الوقت نفسه لمنع الطرف الآخر من تحقيق أية تفوق كاسح يمنحه الاستمتاع بالنصر وهذا ما يعرف بصراع الارادات ؛ ارادة دولة عظمى ترى أن انكسارها في ايران يعني تراجع مكانتها دوليا مما يعني أنها ستلهم دولا وربما مجتمعات تحمل ذاكرة الكراهية للوجود الامريكي في المنطقة نحو التحرر منها وهو ما يعني ملء الفراغ الامريكي بالقوى القطبية الصاعدة بينما تدافع الارادة الايرانية عن نموذجها الحضاري الاسلامي وهو موجه لتحرير المجتمعات الإسلامية من انظمتها وتحرير المنطقة من الوجود الأمريكي وهو يدفعها لملء الفراغ في المنطقة عبر عسكرة المعتقدات السياسية .

و​تتعدد الأسباب والدوافع العميقة التي تمنع هذا الصراع من الاستقرار على صيغة واحدة ويأتي في مقدمتها المعضلة النووية الإيرانية التي تعد خطا أحمر استراتيجيا للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.

بينما ترى واشنطن من وصول طهران إلى عتبة السلاح النووي تهديدا مباشرا لمنظومة حظر الانتشار وللتوازن الأمني في الشرق الأوسط ولا شك أن الصين وروسيا تتقاسم هذا الخوف مع أمريكا ولكنهما يريدان من نتائج هذه الحرب انكسار أمريكا ونزع السلاح النووي حتى تطمئن مصالحهما.

في حين تنظر إيران إلى برنامجها النووي ونسب التخصيب المرتفعة باعتبارهما أداة الردع الأقوى والضمانة الوجودية لمنع أي محاولة خارجية لتغيير النظام السيادي.

ويتكامل هذا الملف مع شبكة النفوذ الإقليمي والأذرع الممتدة لطهران في عمق المنطقة؛ فبينما تسعى الاستراتيجية الأمريكية لتفكيك هذه الشبكة وتحجيمها لتأمين حلفائها وممرات الملاحة الدولية الحيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر .

و ترى إيران في هذه الأوراق خط دفاعها الأول وجدار الحماية الذي ينقل المعركة خارج حدودها الجغرافية مما يجعل التخلي عنها أمرا غير قابل للنقاش الجذري في حسابات الأمن القومي الإيراني.

و​على الصعيد المرحلي والتكتيكي يتحرك الطرفان بديناميكية تحاول استغلال الاضطراب المحسوب لتحقيق مكاسب آنية ومباشرة. وتسعى الولايات المتحدة عبر توظيف سياسات الضغط الأقصى والعقوبات الاقتصادية الخانقة إلى فرض تنازلات جوهرية دون الاضطرار لخوض حرب برية واسعة تستنزف مواردها وتؤثر سلبا على أمن الطاقة العالمي والاقتصاد الدولي.

وتحاول واشنطن من خلال الضربات الموضعية والتحركات البحرية فرض تهدئة قسرية وحماية مصالحها ومصالح شركائها دون الانزلاق إلى مستنقع عسكري جديد.

و في المقابل تركز أولويات طهران المرحلية على كسر الحصار الاقتصادي واستئناف تصدير النفط والوصول إلى أرصدتها المجمدة لتخفيف الضغوط المعيشية والاضطرابات الداخلية.

ولتحقيق ذلك تعتمد إيران استراتيجية إطالة أمد التفاوض والمماطلة لكسب الوقت وتطوير قدراتها التقنية مع السعي المستمر للفصل بين الملفات بحيث تركز على التهدئة الميدانية ورفع العقوبات مع تأجيل النقاشات الحرجة المتعلقة بتفكيك قدراتها الصاروخية الباليستية أو نفوذها الإقليمي.

​أما بالانتقال إلى الآفاق الاستراتيجية بعيدة المدى فإن الصراع يكشف عن صدام جوهري بين رؤيتين متناقضتين تماما لمستقبل الشرق الأوسط وموازين القوى الدولية.

وتتلخص الرؤية الأمريكية في السعي لإغلاق القوس النووي الإيراني بشكل دائم وتفكيك بنيته التحتية للتخصيب بالتوازي مع إعادة هندسة المنطقة من خلال دمج إسرائيل إقليميا وبناء منظومة أمنية جماعية ترتكز على الشركاء التقليديين لواشنطن الأمر الذي يسمح للولايات المتحدة في النهاية بتقليص أعبائها العسكرية في الشرق الأوسط والتفرغ التام للمنافسة الاستراتيجية الكبرى مع القوى الصاعدة في شرق آسيا وأوروبا الشرقية كالصين وروسيا.

و على الطرف الآخر تتطلع الاستراتيجية الإيرانية إلى انتزاع اعتراف دولي وإقليمي بها كقوة مهيمنة وشريك أساسي لا يمكن تجاوزه في ترتيبات المنطقة مع تأمين استمرارية نظامها السياسي وإبعاد أي تهديد عسكري غربي مباشر.

ولتجاوز فاعلية سلاح العقوبات الغربية تسعى إيران إلى الاندماج في نظام عالمي متعدد الأقطاب عبر تعزيز تحالفاتها الاقتصادية والعسكرية مع المعسكر الشرقي والانضمام للتكتلات الكبرى مما يجعل من الحرب المؤجلة مساحة للمناورة بين طرفين يدركان أن ثمن الحرب الشاملة باهظ جدا وأن ثمن التنازل المطلق يعني الهزيمة الاستراتيجية كاملة.

ويمثل التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل الركيزة الأساسية للهندسة الأمنية في الشرق الأوسط غير أن هذا التحالف لا يعتمد على طابق واحد من المتطابقات الجيوسياسية و يخضع لعملية شد وجذب دائمة تتأرجح بين قواسم الاتفاق ومساحات التناقض لا سيما في إدارة الملف الإيراني.

وقد تبدت هذه الديناميكية بوضوح إثر الضربات المشتركة العنيفة التي شنتها واشنطن وتل أبيب ضد إيران ضمن ما عرف بالغضب الملحمي و زئير الأسد.

والتي أظهرت ذروة التنسيق العسكري في تدمير القدرات التسليحية واغتيال القيادات العليا لطهران.

إلا أن مرحلة ما بعد العمليات العسكرية الكبرى والانتقال إلى التهدئة والمفاوضات السياسية سرعان ما كشفت عن التمايز البنيوي في الحسابات الاستراتيجية حيث تتماس أهداف الطرفين في العناوين العريضة لتفترق بحدة في التفاصيل الحاكمة والتصورات النهائية لشكل الاستقرار الإقليمي.


و​تتمحور نقاط الاتفاق الجوهري بين واشنطن وتل أبيب حول المبدأ الأساسي المتمثل في حظر حيازة إيران للسلاح النووي بشكل مطلق إذ يتطابق الطرفان على أن تحول طهران إلى قوة نووية عسكرية يمثل تهديدا وجوديا غير قابل للاحتواء مما يعني تهديد أمن إسرائيل وضربة قاصمة لالتزامات الردع والمصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة .

ويتسع هذا التوافق ليشمل ضرورة تفكيك شبكة الأذرع الإقليمية الإيرانية وحرمانها من القدرة على تهديد خطوط الملاحة الدولية في مضيق هرمز والبحر الأحمر وتجريدها من فائض القوة الصاروخية الذي وظفته طهران لسنوات لفرض معادلاتها الخاصة.

وقد تجسد هذا التناغم في الدعم الاستخباراتي المتبادل والقدرة على خوض جولات قتال مشتركة عالية الكثافة لإجبار النظام الإيراني على التراجع مما أثبت أن المظلة الأمنية المشتركة تظل متماسكة وصلبة عندما يتعلق الأمر بردع الخطر أو كسر القدرات البنيوية للخصم المشترك.

​بيد أن هذا الانسجام الميداني يخفي تحت سطحه نقاط اختلاف استراتيجية وتكتيكية عميقة تتعلق بالحدود الجغرافية والزمنية للمواجهة.

إذ تتبنى إسرائيل رؤية صفرية يضمن احاديتها كقوة مهيمنة في منطقة الشرق الأوسط ولذلك نجدها مندفعة نحو استغلال الحماية الأمريكية بحلول عسكرية مكثفة كما ترى من جولات القتال فرصة تاريخية لا تتكرر لتفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني وتدمير شامل لمنشآت التخصيب الحيوية مثل نطنز وفوردو وتغيير التوازنات الإقليمية بشكل جذري دون النظر إلى حسابات الكلفة الاقتصادية أو السياسية العالمية.

وفي المقابل فإنها ترى من التقارب التركي مع سوريا وسعيه نحو توسيع وجوده عبر تنظيم المعتقدات الإسلامية في الشرق الأوسط بديلا جديدا عن التهديد الإيراني في حال انتصرت على إيران وهو ما لا تريده إسرائيل بذلك تسعى نحو استغلال عودة ترامب إلى الولاية الثانية بهدف عزل إيران عن منطقة الشرق الأوسط ونزع قوتها الصاروخية ثم التفرغ لتركيا بعد ذلك عبر تفكيكها ونزع قدراتها العسكرية.

على النقيض من ذلك، تتحرك الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب مدفوعة بحسابات أوسع وترتكز على فكرة الصفقة والردع العسكري المؤقت كمدخل للتسوية. و تضع واشنطن نصب أعينها استقرار سوق النفط العالمية وتأمين الممرات المائية وتجنب الانزلاق إلى مستنقع حرب استنزاف برية ممتدة.

ويتضح هذا الخلاف بجلاء في المساعي الأمريكية للتوصل إلى تفاهمات سياسية سريعة وخطط تفاوضية مثل مقترحات الـ 15 نقطة لتمديد وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز مقابل تخفيف جزئي ومشرط للعقوبات وهو ما تراه تل أبيب برئاسة بنيامين نتنياهو التفافا سياسيا يمنح إيران فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء قدراتها المدمرة مما يترك إسرائيل وحيدة في مواجهة تبعات سلام خديج.

​إن مصير هذا المزيج من التوافق والتناقض محكوم بحتمية الجغرافيا السياسية وتفوق المصلحة الأمريكية العليا في نهاية المطاف.

ورغم قدرة إسرائيل على ممارسة ضغوط قوية عبر قنواتها السياسية في واشنطن لتعطيل الاندفاع نحو الاتفاقيات السريعة وعلى الرغم من ميلها أحيانا لخرق مسودات التهدئة عبر التصعيد في جبهات فرعية كشمال الساحل اللبناني إلا أنها لا تستطيع الانفصال عن الحاضنة اللوجستية والعسكرية الأمريكية في أي مواجهة كبرى طويلة الأمد. وبناء على ذلك يتجه مستقبل هذا التناقض نحو معادلة يجري فيها احتواء التحفظات الإسرائيلية عبر منحها التزامات أمنية أمريكية معززة وضمانات صارمة بإعادة تفعيل الخيار العسكري وتفعيل آلية الردع التلقائي في حال أخلت طهران بتعهداتها.

سيبقى التحالف صامدا كبنية دفاعية عليا لكن صياغة المشهد السياسي النهائي للشرق الأوسط ستكتبها المصالح البراغماتية لواشنطن وخصوصا بعد رحيل ترامب عن السلطة والتي ستفضل إخضاع القوة لمنطق التفاوض وعقد الصفقات الكبرى حتى وإن تركت حليفها الإقليمي الأول في حالة من القلق المزمن ومراقبة حذرة لتوازنات القوى الجديدة.

إن الصراع الأمريكي الإيراني لم يعد نزاع ثنائي على النفوذ أو البرنامج النووي فقط بقدر ما أصبح أيضا جزءا من عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط ضمن سياق التحول نحو عالم متعدد الأقطاب.

وبينما تسعى واشنطن إلى إدارة هذا التحول بأقل كلفة ممكنة تحاول طهران استثماره لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.

وفي هذا الفضاء الرمادي بين الحرب والسلام ستظل المنطقة تعيش على إيقاع الأزمات المؤجلة والتسويات المؤقتة حيث لا يمتلك أي طرف القدرة على فرض انتصار كامل ولا يملك في الوقت نفسه الاستعداد لتقديم تنازل شامل ينهي الصراع من جذوره.