آخر تحديث :السبت-13 يونيو 2026-06:10م

التجهيل المُتعمد... جريمة دولة بحق الأجيال

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 02:50 م
عبدالرحيم المحوري


عندما تغيب مقومات التعليم، فلا تنتظر نتائج. وإذا كان كل شيء غائباً فلا وسائل ولا إمكانيات ولا حقوق، فعن أي تعليم سنتحدث؟*


*المدارس اليوم مجرد هياكل إسمنتية خاوية. لا شيء فيها يوحي بأن هناك عملية تعليمية حقيقية. الوسائل التعليمية ضائعة وأولها الكتاب المدرسي، فما بالك ببقية الأدوات: قلم السبورة، السبورة الواضحة، المجسمات، أدوات الأنشطة الصفية واللاصفية. لا شيء.*


*حتى البنية الأساسية للصفوف مفقودة: صفوف مزدحمة بطريقة خانقة، غير مهوية، بإضاءة ضعيفة لا تصلح للقراءة. بيئة طاردة، لا جاذبة.*


*أما الطالب فحدّث ولا حرج. لا تحفيز ولا تشجيع، فضعفت لديه روح المنافسة الصفية. وبعد التخرج، الكارثة أكبر. يصطدم بخيبة الأمل حين يدرك أن سنوات الدراسة لن تخلق له بيئة مريحة، وأن المستقبل أمامه قاتم. فيقرر كثير من الشباب الهروب من هذا الواقع والذهاب إلى العسكرة التي أصبحت تجارة رابحة لا تحتاج لسنوات طويلة من البذل والعطاء.*


*وهنا تكمن الكارثة. عندما يرى ولي الأمر أن راتب الجندي أو المجند يفوق بأضعاف راتب المعلم الجامعي، يقل اهتمامه بالتعليم. أصبح جل ما يريده شهادة الثانوية فقط، والتي تُؤخذ بالغش فيما يسمى وزاري، وهو امتحان نسخ علني تُحضره الوزارة التي لا يهمها إلا المخصص المالي لهذه الامتحانات، لا مخرجاتها ولا جودتها.*


*التعليم في خطر، والدولة هي المسؤولة الأولى. هي من عسكَرت الشباب، وجعلتهم يتركون مقاعد الدراسة لأجل معسكرات التدريب. وهي من أوقفت دعم التعليم، وتركته ينهار بكل تفاصيله. ما يحدث ليس إهمالاً عابراً، بل تجهيلاً متعمداً.*


*لسنوات لم نعد نشاهد حماس توزيع النتائج حتى في المدارس الابتدائية، ذلك المشهد الذي كان له مذاق خاص ويبث روح الحماس ويزرع المنافسة بين الطلاب. ذهب كل ما يحفز الطلاب على التعلم، وبقي الجهل يخيم على مجتمعنا.*


*كما أن حرمان المعلم من أبسط حقوقه وجعله في آخر سلم الاهتمامات سبب رئيسي في القضاء على التعليم. اليوم المعلم بلا أدنى حقوقه، بينما تجد طفلاً خرج من الصف التاسع أو حتى السابع، أو طفلاً لم يدخل المدرسة أصلاً، ذهب للعسكرة فأصبح راتبه أضعاف راتب معلمه. فهل بهذا العمل نريد تعليماً؟ هل بهذا المنطق نبني وطناً؟*


*باختصار، الدولة هي من تريد خراب البلد. وهذا لم يحصل في أي بلد في العالم: أن تكون الدولة لا تعمل لأجل البناء، بل تسعى لهدم مجتمعها من الداخل. فأي قوم تصدروا المشهد اليوم؟*


*المتآمرون على التعليم اليوم هم قيادته. عندما تنظر إلى نظرة المسؤولين للتعليم تعرف أننا لا يمكن أن نصنع وطناً. التعليم عندهم ليس له مكان، وهو آخر أولوياتهم. قد تكون للمليشيات أولوية، وللصوص أولوية، وللمطبلين أولوية، وحتى للمختصين بالتفاهة أولوية. أما أهل العلم والمعلمون، فليس لهم أولوية.*


*فاعلم حينها أننا نُقاد إلى تدمير البلد بأيدينا، وأن عملنا ما هو إلا ارتزاق في مشروع مقصود لهدم بلدنا. فمن يتعمد تجويع المعلم، وتجهيل الطالب، وتهميش المدرسة، إنما يزرع قنابل موقوتة ستنفجر في وجه الوطن كله بعد سنوات.*


*الوطن الذي لا يقدس معلمه، لا ينتظر منه جيلاً. والشعب الذي يموت فيه التعليم، يموت فيه المستقبل قبل أن يولد.*


_*التعليم قضية وطن... فمن يحمي الوطن من قتلة التعليم؟*_