آخر تحديث :السبت-13 يونيو 2026-06:10م

الرماد الأخير.. كيف يذوب الإنسان ليشتري رغيفاً؟ (القعقاع)

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 03:20 م
فواز الحيدري


القعقاع لم يسقط في البركان.. نحن الذين دفعناه إلى الحافة، ثم وقفنا نعدّ ثواني هبوطه الأخير.

مشهدٌ يخلع القلوب من فضاءات الصدور، لكنه تجسّد لحماً ودماً هنا في اليمن.

القعقاع.. ذلك الفتى الذي أسموه "سبايدر مان اليمن"، لم يكن يتسلق المنحدرات التي تبتلع الأنفاس شغفاً بالخلود، ولا بحثاً عن ترف المغامرة. كان يصعد ليعانق الموت بيدين عاريتين، ليخطّ اسماً لغريبٍ على صخرة صمّاء، مقابل ثمنٍ بخس لا يكاد يشتري رغيفاً يسدّ به رمق عائلته. كان يبتسم للعدسة في أعالي الجبال، بينما قلبه يرتجف خلف الضلوع، يعلم أن بينه وبين القبر زلّة قدم واحدة.

النجم هوى.. واحترقت خلفه أحلامنا

الجوع، الفقر، والخذلان.. ثلاثة سياطٍ كانت تجلده كل صباح، لتسوقه سوقاً نحو فوهة الفناء.

هل ذاب القعقاع حقاً في جوف الموت الكبريتي؟ هل تلاشت ملامحه الشابة في تلك المياه التي غلت لملايين السنين؟

يا لها من ميتةٍ تقتل مرتين.. فـ "عاشق الحَرَضة" عاد إلى معشوقته القاتلة، فاحتضنته بعنفٍ ولم تتركه، ليمتزج جسده بترميد الأرض، كما ذاب عمره تماماً قبل أن يلتفت إليه أحد.

منذ الآن، لن تكون اسمها "حَرَضة دمت".. بل "مقبرة القعقاع عنتر".

وليس هذا الاسم تكريماً يليق برحيله السحيق، بل هو دمعة خذلان متأخرة سُكبت على شابٍ لم يمد له أحدٌ يداً ليحميه وهو حي، وتزاحموا ليشهدوا غرقه وهو يموت. نجمٌ انطفأ قبل أن يرى النور، جيلٌ كامل فتح عينيه على عقدٍ من الحروب والنكبات، فلم يجد أرضاً ثابتة يقف عليها، فاختار الحواف الخطرة مرغماً.

قسوة الأحياء.. محاكمة الجثة!

المأساة الأشد إيلاماً، أن المجتمع الذي صفّق له بالأمس بوصفه "بطلاً خارقاً"، عاد اليوم بدم بارد ليحاكم جثته ويثبت عليه تهمة "التهور"!

نحن مجتمعٌ يعشق الشجاعة حتى تقتل صاحبها، فإذا قضى نحبه، وزّعنا السكاكين على سيرته.

القعقاع ليس مجرد حادث عابر.. إنه مرآة عارنا جميعاً:

هو الصياد الذي يركب الموج الهائج بقارب من ورق.

هو البنّاء معلقاً في السماء بلا حبل أمان.

هو الشاب الذي ينزل إلى جوف الجحيم ليجلب قوتاً.

كلهم يقفون على خيط واهن يربط لقمة العيش بكفن القبر. وحين تصبح المخاطرة وبيع الأرواح هي الوظيفة الوحيدة المتاحة، يتحول البقاء حياً حتى المساء إلى معجزة يومية