آخر تحديث :السبت-13 يونيو 2026-10:00م

حسين فايد مجلي.. والضربة التي كسرت ظهر الإمامة وأنقذت الجمهورية..

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 05:52 م
د. سلطان مشعل


ليست كل الشخصيات التي ترحل تغيب عن التاريخ، فهناك رجال يتحولون بعد رحيلهم إلى علامات فارقة في الذاكرة الوطنية، وتبقى أفعالهم حاضرة في وجدان الشعوب أكثر من حضورهم في الحياة ذاتها. ومن هذا الطراز الاستثنائي كان الشيخ حسين فايد مجلي، الذي تحل الذكرى التاسعة والعشرون لرحيله فيما لا يزال اسمه مرتبطاً بأحد أكثر المنعطفات حسماً في تاريخ الجمهورية اليمنية.


فذكرى رحيله لا تمثل مجرد استذكار لشيخ قبيلة أو زعيم اجتماعي، بل تبدو أقرب إلى استعادة صفحة كاملة من صفحات النضال اليمني ضد مشروع الإمامة والسلالة، واستحضاراً لرجل كان حاضراً في اللحظة التي احتاج فيها اليمن إلى قرار حاسم أكثر من حاجته إلى الخطب والشعارات.


لقد كان الشيخ حسين فايد مجلي نتاجاً لمسار تاريخي طويل من المقاومة الفكرية والسياسية والعسكرية لفكرة الاصطفاء السلالي وادعاء الحق الإلهي في الحكم.

ذلك المسار الذي بدأ منذ القرون الأولى لوصول الفكر الإمامي إلى اليمن، حين واجهت القبائل اليمنية وعلى رأسها وفي مقدمتها القبيلة التي ينتمي لها ويتزعمها الشيخ حسين فايد مجلي، واجهت محاولات احتكار السلطة والثروة والدين تحت لافتة الامتياز الوراثي.


ولذلك فإن قراءة سيرة الشيخ حسين لا ينبغي أن تتم باعتبارها سيرة فرد، بل باعتبارها حلقة متقدمة من حلقات صراع تاريخي طويل بين فكرتين متناقضتين: فكرة الدولة التي تقوم على المساواة بين المواطنين، وفكرة الإمامة التي تقوم على التمييز والاصطفاء والحق الموروث في الحكم.


غير أن اللحظة التي جعلت اسمه جزءاً من الذاكرة الوطنية اليمنية جاءت خلال واحدة من أخطر المراحل التي واجهتها الجمهورية بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر.

ففي عام 1968م كانت صنعاء تحت حصار خانق فرضته فلول الإمامة، مستفيدة من انسحاب القوات المصرية وما تركه ذلك من فراغ عسكري وسياسي كبير هدد بانهيار المشروع الجمهوري برمته.

وحينها تحولت صعدة إلى عاصمة للإمامة ومأوى للإمام.


في تلك اللحظة الحرجة لم تكن الجمهورية تواجه معركة عسكرية فحسب، بل كانت تواجه اختبار البقاء. وكان السؤال المطروح آنذاك بسيطاً لكنه خطيرٌ بنفس الوقت وهو: هل ستبقى الجمهورية أم ستعود الإمامة؟


وهنا برز دور الشيخ حسين فايد مجلي ووالده ورفاقهما الذين لم يتعاملوا مع المعركة بوصفها مواجهة عابرة، بل باعتبارها معركة مصير تتعلق بمستقبل اليمن كله حيث قضوا على الإمام والإمامة بنفس الوقت.

ومن خلال ذلك الفعل الوطني الحاسم جرى فك الحصار عن صنعاء، واستعادت الجمهورية زمام المبادرة، وتحول المشروع الإمامي من قوة مهاجمة إلى مشروع يتداعى ويتفكك.


لقد كان ذلك الإنجاز أكثر من مجرد انتصار ميداني؛ فقد مثّل نقطة التحول الاستراتيجية التي أنهت عملياً قدرة الإمامة على استعادة الحكم.

وإذا كانت جولات كثيرة قد سبقت ذلك التاريخ، فإن الضربة القاضية التي قام بها الشيخ حسين فايد ضد الإمامة والإمام بصعدة كانت الضربة التي حسمت الصراع لصالح الجمهورية بصورة نهائية.


وما يجعل تلك المحطة أكثر أهمية كون ذلك الإنجاز تحقق في ظروف شديدة التعقيد، وبعد أن عجزت قوى جمهورية عديدة، رغم ما حظيت به من دعم سياسي وعسكري وإعلامي كبير عجزت عن الوصول إلى لحظة الحسم النهائية.

ولذلك ظل اسم الشيخ حسين فايد مجلي مرتبطاً في الذاكرة الوطنية بلحظة الإنقاذ الكبرى التي أنقذت الجمهورية كفكرة وراية ومسار ومن ثم أنقذت العاصمة والدولة ومؤسساتها الوليدة.


ولم تتوقف هذه السلسلة عند ذلك الجيل.

فمع مطلع القرن الحادي والعشرين ظهر الشيخ عثمان مجلي امتداداً طبيعياً لذلك المسار الجمهوري، مواصلاً مواجهة المشروع السلالي ومتمسكاً بفكرة الجمهورية والدولة الوطنية وذلك في واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ اليمن المعاصر.

لقد خاض الرجل معاركه السياسية والعسكرية والفكرية دفاعاً عن الجمهورية، واستمر في هذا النهج حتى اللحظات التي انهارت فيها مؤسسات الدولة في الأطراف وتراجعت السلطة المركزية بصنعاء عن أداء واجباتها تجاه المجتمع والجمهورية معاً.

لكنه لم يتعامل مع تلك اللحظة بوصفها نهاية الطريق، بل بوصفها محطة ضمن صراع أطول يتجاوز الأشخاص والمواقع والمراحل.


إن استحضار ذكرى رحيل الشيخ حسين فايد مجلي اليوم ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو استدعاء لفكرة الجمهورية ولمعنى الدولة ذاتها، وللقيم التي قامت عليها ثورة سبتمبر كـ الحرية، والمواطنة المتساوية، والشورى، ورفض احتكار السلطة باسم السلالة أو الحق الإلهي.


فالرجال الكبار لا تُقاس قيمتهم بطول أعمارهم، بل بحجم الأثر الذي يتركونه في مصائر أوطانهم.

ومن هذه الزاوية كان الشيخ حسين فايد مجلي واحداً من أولئك الذين لم يصنعوا حدثاً عابراً في تاريخ اليمن، بل ساهموا في صناعة لحظة وطنية كبرى ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.


ولهذا فإن ذكراه لا تخص أسرته أو قبيلته أو أبناء جيله فقط، بل تخص كل يمني يؤمن بأن الجمهورية لم تكن هبة من أحد، وإنما ثمرة تضحيات رجال قرروا في لحظات الخطر أن ينحازوا إلى المستقبل لا إلى الماضي، وإلى الدولة لا إلى السلالة، وإلى الشعب لا إلى الامتيازات الوراثية.