لَقَدْ رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا عُمَرَ.. بِكَلِمَاتٍ تَتَهَاوَى لِأَخْتَارَ أَفْضَلَهَا، وَمَشَاعِرَ تَجْتَازُ أَحْلَامِي وَأَجْمَلَهَا، لِأَكْتُبَ أَفْضَلَ مَا كَتَبْتُ لِدُكْتُورٍ وَمُحَافِظِ أَبْيَنَ/ مُخْتَار الرَّبَّاشِ، الَّذِي بِمُجَرَّدِ كَبْسَةِ زِرٍّ — دُونَ مِلَفٍّ أَوْ طَلَبَاتٍ وَأَوْرَاقٍ — رِسَالَةٌ وَضَعْتُهَا بِالْوَاتْسَابِ لِحَبِيبِنَا وَوَلِيِّ أَمْرِنَا عَنْ حَادِثٍ هَزَّ "بَاتِيسَ" لِأُسْرَةٍ فَقِيرَةٍ، نَتَجَ عَنْ حَادِثٍ مُرُورِيٍّ فَجِيعٍ لِوَلِدٍ وَابْنِهِ، وَأَدَّى إِلَى اسْتِئْصَالٍ لِأَعْضَاءٍ؛ فَلَمْ تَهْتَزَّ غَيْرُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَمَوْقِفِ مُحَافِظِ أَبْيَنَ الْعَظِيمِ.
فَلَمْ تَمُرَّ إِلَّا سَاعَاتٌ قَلِيلَةٌ إِلَّا وَأُشَاهِدُهُ بِشَخْصِهِ بِجَنْبِ الْمُصَابِينَ (الْأَبِ وَابْنِهِ)، لَمْ أُصَدِّقْ مَا رَأَيْتُهُ وَنَحْنُ فِي زَمَنِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ! وَبَعْدَ تَوَاصُلِي مَعَ الْحَبِيبِ وَالصَّدِيقِ الدُّكْتُورِ مُدِيرِ عَامِّ الْإِعْلَامِ الَّذِي أَكَّدَ لِيَ الْخَبَرَ، هَا أَنَذَا أَكْتُبُ فِي زَحْمَةِ الْخَوَاطِرِ وَتَرَاخِي الْأَنَامِلِ لِدَرَجَةِ الِارْتِعَاشِ، لِأَكْتُبَ نَشِيدًا وَطَنِيًّا لِلْوَطَنِ حِينَمَا صَارَ الرَّبَّاشُ وَالِيًا لِأَبْيَنَ.
فِعْلًا: **"لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ رَبَّاشَا"**، هَذِهِ حَقِيقَةٌ أَحْمِلُهَا، وَلَكِنْ كُنْتُ فِي حِيطَةٍ وَحَذَرٍ، لَكِنَّنِي أُعْلِنُهَا بِكُلِّ أَنَفَةٍ وَفَخْرٍ وَعِزَّةٍ وَشُمُوخٍ أَنْ أَكُونَ تَحْتَ وِلَايَةِ أَبِي عُمَرَ. إِنَّ الْخَوْفَ وَالْخَشْيَةَ وَالسُّؤَالَ عَنْ حَالِ الرَّعِيَّةِ هِيَ مِنْ مَزَايَا وَخِصَالِ الْحَاكِمِ الرَّشِيدِ الَّذِي يَحْمِلُ قَلْبًا مُمْتَلِئًا بِالْخَشْيَةِ لِلرَّعِيَّةِ.
عِشْتَ أَبَا عُمَرَ وَدُمْتَ لِأَبْيَنَ زَوْدًا وَفَخْرًا، لَمْ تَتْرُكْ بِعَظَمَتِكَ وَلَمْ تُبْقِ وَلَمْ تَذَرْ لِلْعُظَمَاءِ بَعْدَكَ. وَلَمْ يَتَبَقَّ إِلَّا سُؤَالٌ أَسْأَلُكَ إِيَّاهُ: هَلْ أَنْتَ مِنْ صُنْعِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ أَمْ أَنْتَ بَشَرٌ تَغَلَّبْتَ عَلَى التَّصَنُّعِ؟!
لَكَ شُكْرِي وَاحْتِرَامِي، لَكَ مِنِّي أَجْمَلُ نَشِيدٍ سَرَقْتُهُ مِنْ فَمِ عَصَافِيرِ الْبُكُورِ فِي قِمَّةِ ابْتِهَاجِهَا، وَهَاهُوَ وَتَرِي الَّذِي قَرَّرَ أَكْلَهُ الصَّدَأُ يَعُودُ، وَأُغَنِّي بِأَنَّ لِلْوَطَنِ رِجَالًا.. وَلَكِنْ حُسْنُ الِاخْتِيَارِ وَالتَّجَنِّي لِتَوْلِيَةِ أَقْوَامٍ لَمْ تَتَخَرَّجْ مِنْ جَامِعَةِ "الرَّبَّاشِ" لِلْوِلَايَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.