آخر تحديث :الأحد-14 يونيو 2026-03:29ص

أهازيج الثأر المؤجل .. "بحور المآسي"(2)

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 10:45 م
حسين سالم السليماني


انشقّ سكون القرية عن صرخة مزقت نياط القلوب، صرخة لم تكن مجرد صوت، بل كانت انكساراً لروح شاب رأى جدار استناده ينهار أمام عينيه. "عمر" يئن، وبكاؤه ليس كالبكاء؛ إنه نحيب من فقد البوصلة في تيه الحياة. وبجانبه، كانت الأم ترقب الشريك الذي تقاسمت معه خبز الأيام وملح الصبر، كانت تنتظر أن تزفّ ابنها بـ "زغرودة" الفرح، فإذا بالقدر يباغتها بـ "شهقة" الرحيل. سقطت كغصن يابس، وغابت عن الوعي، هاربة من واقع لا يطاق إلى ظلام الغيبوبة.


توافدت نساء القرية، وجوههن أقنعة من الأسى، وصيحاتهن ترسم في الأفق لوحة من الوجع السحيق. حتى رفاق عمر، أولئك الشباب الذين لم تعركهم الحياة بعد، وقفوا عاجزين، تبلل الدموع ملامحهم في مشهد حبس الأنفاس وضاق به الفضاء.

اجتمع كبار القوم، ملامحهم صلبة كصخور جبالهم، يتقدمهم من خبروا طقوس الوداع الأخير. تقدموا نحو عمر الذي تشبث بجثمان والده كغريق يتشبث بمركب محطم، صرخ في وجوههم بقلب مكلوم: "لا.. لن تأخذوا مني أبي! هو لي، هو كل ما أملك!"

انحنى كبير القرية بوقار الشيوخ، وبصوت يقطر حكمة ممزوجة بالأسى قال:

يا بني، استعصم بالصبر، فكلنا نسلك هذا الدرب، وما الموت إلا محطة نمرّ بها جميعاً.

أذعن عمر تحت ثقل الكلمات، فأخرجوا الجسد المسجّى من الغرفة الضيقة الوحيدة التي شهدت أحلامهم البسيطة، ووضعوه تحت "شجرة السدر" العتيقة. هناك، كانت الفؤوس تقطع الخشب لتصنع "النعش" البدائي، بينما كانت المعاول في المقلب الآخر من القرية تحفر في صدر الأرض بيتاً جديداً يليق بسكون الراحلين.


تحولت القرية إلى خليه نحل يعجنها الحزن؛ الرجال يستقبلون المعزين ويجمعون "العِدّة"، والنساء يقطعن المسافات على ظهور الحمير والإبل لجلب الماء وإعداد الطعام لأهل المصاب. كان الحزن مخيماً كغيمة سوداء لا تمطر إلا دمعاً.

حُملت الجنازة في موكب مهيب، وعادوا به إلى البيت ليلقي عليه "عمر" وأمه المكلومة نظرة الوداع. ضجّ المكان بعويل النساء، واختلطت عبرات الرجال بغبار الطريق. تحرك الموكب، ولسان حال الجميع يقول:

يا أبا عمر، رحلت ولم تكتمل الفرحة، غادرت والدار موحشة من بعدك.


واري الثرى ذلك الجسد المتعب، ووقف عمر على حافة القبر، لا كمنكسر فحسب، بل كبركان يوشك أن ينفجر. نادى في الجموع وصوته يتهدج:

يا أيها الناس، من كان له عند أبي دَين، فحقّه في عنقي، وأنا الكفيل بقضائه.

تعالت الأصوات بالمسامحة، فالدين المعنوي كان أثقل. لكن عمر لم ينته عند هذا الحد. حين تقدم الوجهاء ليأخذوا بيده إيذاناً بالعودة، نفض يده من أيديهم، واشتعلت عيناه بوميض لم يعهدوه. صرخ فيهم بمرارة هزت أركان المقبرة "مات أبي مقهوراً.. مات بظلمكم! لا صلح بيني وبينكم، ولا أخوة تجمعني بكم بعد اليوم. أنتم الخصوم، وأنتم الغرماء، حتى يعود كل شبر اغتصبتموه من أرضنا، وكل رأس سلبتموه من حلالنا."


ساد صمت ثقيل، تداخلت الأصوات، وحاول البعض الرد، لكن العقلاء أشاروا بالصمت إجلالاً للموت واحتراماً لثورة الحزن. غادر الجميع المقبرة، لكنهم غادروها بقلوب مضطربة، فقد تركوا خلفهم شاباً لم يعد يرى في القرية جيراناً، بل رأى فيهم "بحر مآسٍ" لن يهدأ موجه حتى يستردّ الحقوق المنهوبة.

..................•..................