آخر تحديث :الأحد-14 يونيو 2026-03:29ص

الامتحانات في زمن الانهيار التعليمي.. من يحاسب الواقع قبل أن يحاسب الطالب؟

الأحد - 14 يونيو 2026 - الساعة 02:08 ص
موسى المليكي


في الوقت الذي تغيب فيه أبسط مقومات العملية التعليمية، وتنهار فيه الركائز الأساسية التي يقوم عليها التعليم، تأتي الاختبارات النهائية كل عام لتتحول من وسيلةٍ لقياس التحصيل العلمي إلى محكمةٍ قاسيةٍ يُحاكم فيها الطالب وحده، وكأنه المسؤول الأول والأخير عن كل هذا الفشل المتراكم.


كيف يُطلب من طالبٍ أن يحقق التفوق وهو يدرس في ظل غياب الكتاب المدرسي؟ وكيف يُنتظر منه أن ينافس ويبدع وهو محروم من المراجع والوسائل التعليمية والدروس المنتظمة والبيئة المناسبة للتعلم؟ وكيف يُلام على ضعف مستواه وهو يعيش واقعًا مضطربًا، تتنازعه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي أصبحت جزءًا من حياته اليومية؟

إن الطالب اليوم لا يخوض اختبارًا في مادة دراسية فحسب، بل يخوض اختبارًا يوميًا مع الفقر والحرمان والقلق وانعدام الاستقرار. ومع ذلك، لا يزال البعض يتعامل معه وكأنه يعيش في أفضل الظروف التعليمية وأكثرها استقرارًا.

وفي الجهة الأخرى يقف المعلم، ذلك الجندي المجهول الذي يحمل على كتفيه أعباء رسالة عظيمة في ظروف تكاد تكون مستحيلة. يُطلب منه أن يبدع وهو يعاني من تدني الدخل أو انقطاع الرواتب، وأن يطور أداءه دون تدريب أو دعم، وأن يصنع مخرجات تعليمية متميزة في بيئة تفتقر إلى أبسط الإمكانيات.


ثم تأتي النتائج، فيُسأل المعلم عن نسب النجاح والتفوق، وكأن المشكلة تكمن فيه وحده، بينما تُغفل الظروف القاسية التي يعمل فيها، والتحديات الهائلة التي يواجهها كل يوم.

أما في قاعات الاختبارات، فتظهر صورة أخرى من صور المعاناة. فبدلًا من أن تكون اللجان الامتحانية مصدرًا للطمأنينة والتنظيم والعدالة، يتحول بعض المراقبين إلى مصدرٍ للتوتر والخوف والارتباك. يعتقد بعضهم أن نجاحه في عمله يقاس بارتفاع صوته، أو بكثرة محاضر الغش التي يحررها، أو بحجم الرعب الذي يزرعه في نفوس الطلاب.

والحقيقة أن الحزم لا يعني القسوة، والانضباط لا يعني الترهيب، وتطبيق النظام لا يعني مصادرة إنسانية الطالب أو تجاهل ظروفه.


إن المراقب الناجح ليس ذلك الذي يجعل قاعة الامتحان ساحةً للخوف والارتباك، وإنما هو الذي يحقق التوازن بين الانضباط والرحمة، بين تطبيق اللوائح واحترام مشاعر الطلاب، بين منع الغش وتهيئة أجواء نفسية مستقرة تساعد الطالب على تقديم ما لديه من معرفة.

أما من يتعمد الصراخ، ويستعرض سلطته أمام طلاب أنهكتهم الظروف، ويبحث عن الأخطاء الصغيرة ليصنع منها بطولات وهمية، فإنه لا يخدم العملية التعليمية، بل يضيف عبئًا نفسيًا جديدًا إلى أعبائها الكثيرة.


إننا لا ندعو إلى التساهل أو الفوضى أو التغاضي عن المخالفات، فالغش سلوك مرفوض يجب محاربته، والاختبارات لا بد أن تُدار وفق ضوابط واضحة وعادلة. لكننا ندعو إلى شيء أكثر أهمية: أن ننظر إلى الطالب باعتباره إنسانًا قبل أن يكون رقمًا في كشف الدرجات.


فحين يغيب الكتاب، وتتدهور البيئة التعليمية، وتتعثر العملية التربوية، ويعاني المعلم من ظروفه المعيشية الصعبة، يصبح من الظلم أن نضع كل المسؤولية على الطالب وحده، ثم نطالبه بتحقيق نتائج استثنائية.


إن النجاح الحقيقي اليوم لم يعد مجرد درجة تُكتب في شهادة، بل أصبح قدرةً على الصمود في وجه واقعٍ قاسٍ. صمود الطالب الذي يتمسك بحلمه رغم كل الصعوبات، وصمود المعلم الذي يواصل أداء رسالته رغم الإحباط والمعاناة، وصمود المخلصين الذين ما زالوا يؤمنون بأن التعليم هو الطريق الوحيد لإنقاذ الأوطان وبناء المستقبل.


ولهذا فإننا نوجه دعوة صادقة إلى جميع اللجان الامتحانية والجهات التربوية والمسؤولين عن التعليم: راعوا ظروف الطلاب، وافهموا حجم التحديات التي يعيشونها، ووازنوا بين الحزم والرحمة، وبين النظام والإنسانية. فليس المطلوب أن نخفض معايير التعليم، وإنما أن نرفع مستوى العدالة فيه.


فالامتحان الحقيقي اليوم ليس ما يُكتب على ورقة الإجابة، بل ما يعيشه الطالب والمعلم من معاناة يومية في سبيل البقاء داخل منظومة تعليمية تكافح من أجل البقاء.


وحين نحاسب الطالب على أخطائه، يجب أولًا أن نحاسب الواقع الذي أوصل التعليم إلى هذه المرحلة. وحين نطالبه بالنجاح، يجب أن نوفر له الحد الأدنى من أسباب النجاح. فالأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا بالتشدد الأعمى، وإنما تُبنى بالعلم والعدل والرحمة والوعي بالواقع.