منذ آلاف السنين، والبشرية تمارس طقسها الأقرب إلى قلبها: *الانتظار
في عالمٍ يئن تحت وطأة الحروب، الظلم، والفساد، يبدو أن القاسم المشترك الوحيد بين معظم الأديان والمذاهب على وجه هذه الأرض ليس القوانين أو التشريعات، بل هو انتظار "شخص ما" سيأتي في نهاية المطاف بضربة سحرية ليقلب موازين الكون ويملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً.
*كرونولوجيا الانتظار: أرقام تعانق التاريخ.*
إذا تأملنا في خارطة الوعي الإنساني، سنجد أن فكرة "المخلّص" متجذرة في عمق التاريخ البشري، حيث تحولت مع مرور القرون إلى جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والدينية للشعوب:
*الهندوس:*
ينتظرون "كريشنا" منذ حوالي *3700 سنة*
*البوذيون:*
يترقبون ظهور "مايتريا" منذ نحو*2600 سنة*
*اليهود:*
يعيشون على أمل مجيء "المسيا" منذ ما يقارب
*2500 سنة*
*المسيحيون:*
ينتظرون عودة "يسوع" منذ أكثر من*2000 عام*
*المسلمون (السّنة):*
ينتظرون نزول "المسيح عيسى ابن مريم" منذ أكثر من
*1400 عام*
*المسلمون (الشيعة):*
يترقبون خروج "المهدي المنتظر" منذ حوالي *1200 عام*
*الدروز:*
ينتظرون عودة "الحاكم بأمر الله" منذ نحو*1000 عام*
*الإيزيديون:*
يأملون بظهور "شرفدين" منذ قرابة*1000 عام*
*المعضلة الكبرى: غياب الفاعلية البشرية.*
تتبنى هذه العقائد باختصار رؤية سوداوية للواقع الحاضر، مفادها أن الشر والفساد قدر حتمي لا يمكن دفعه، وأن الخلاص لن يكون إلا عبر قوة غيبية أو قائد ملهم يظهر في "الزمن المناسب".
وهنا تكمن المفارقة الصادمة والقاتلة:
*لقد تحول الانتظار من مصدر للأمل والصمود، إلى مخدر موضعي أصاب المجتمعات بالشلل الحركي والفكري.*
"المشكلة الحقيقية الفادحة التي تواجهنا اليوم، هي أن معظم سكان هذا الكوكب ينتظرون من يأتي لإصلاح مجتمعاتهم بالنيابة عنهم، بدلاً من أن يبادروا بإصلاحها بأيديهم."
*بين الاتكالية والمبادرة: من ينقذ العالم فعلياً؟*
إن الرهان على المستقبل الغيبي وتجاهل الواجب اليومي هو الذي يفسر بقاء الكثير من المجتمعات في ذيل قائمة التطور. عندما يتخلى الإنسان عن مسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية تجاه بيته، وعمله، ووطنه، بحجة أن "الفساد سيعم حتى يأتي المخلص"، فإنه يساهم بشكل مباشر في استمرار هذا الفساد.
الشرّ لا ينتهي بانتظار المعجزات، بل ينحسر عندما يقرر الفرد — أي فرد — أن يكون هو التغيير الذي يريد رؤيته في العالم. فالأوطان لا تبنى بالانتظار، والعدالة لا تتحقق بالاستسلام، بل بالعمل التراكمي، والوعي، وسيادة القانون.
### خاتمة
رحلة الانتظار الطويلة عبر التاريخ تثبت شيئاً واحداً: السنين تمر، والأجيال تتعاقب، والشرور لا تزال قائمة. ربما حان الوقت لتدرك البشرية أن "المخلّص الحقيقي" ليس شخصاً قادماً من غياهب الغيب، بل هو ذلك الوعي الكامن في عقولنا، وتلك الرغبة الصادقة في الإصلاح التي يجب أن تبدأ من داخلنا.. الآن وليس غداً.