آخر تحديث :الأحد-14 يونيو 2026-07:28م

القعقاع سقط في البركان.. فهل يكون آخر السقوط لدى اليمنيين ؟

الأحد - 14 يونيو 2026 - الساعة 03:38 م
أحمد شنجة


حين انتشر خبر سقوط الشاب اليمني القعقاع في فوهة البركان تعامل كثيرون مع الحادثة بوصفها أنها كانت نهاية مأساوية لمغامرة خطيرة لكن الحقيقة أن القصة أعمق من ذلك بكثير فالقعقاع لم يسقط في تلك اللحظة وحدها بل كان يسقط بصمت منذ سنوات مع كل فرصة ضاعت..وكل حلم تأجل..وكل باب رزق أُغلق في وجهه..كانوا يرونه شاباً يهبط إلى اعماق البركان بينما لم يروا الهاوية الأكبر التي كان يعيشها كل يوم فوق سطح الأرض..لم يكن البركان هو الخطر الحقيقي في حياته بل الواقع الذي دفعه إلى أن يجعل من الخطر عملاً ومن الموت احتمالاً يومياً ومن المغامرة وسيلةً للبقاء..


القعقاع لم ينزل إلى البركان بحثاً عن المجد ولم يكن بطلاً أسطورياً يبحث عن المغامرة من أجل المغامرة.. كان يبحث عن شيء أكثر بساطة وأكثر قسوة في الوقت نفسه.. أنها لقمة العيش التي أصبحت صعبة أمام الكثيرين في اليمن..يا لها من مأساة أن يصل الإنسان إلى مرحلةً يصبح فيها الموت جزءاً من وظيفته اليومية..ويا لها من فاجعة حين يتحول الخوف الذي يهرب منه الناس إلى مصدر رزقاً لمن لم يجد مصدراً آخر.. لقد وقف القعقاع على حافة البركان مرات كثيرة ولكن لم يسال أحد ما الذي يدفع هذا الشاب في عمر الزهور إلى النزول طوعاً إلى مكاناً يهرب منه الجميع.. لماذا لم يعد يخاف كما نخاف.. لماذا بدأ الموت بالنسبة إليه احتمالاً عادياً ؟ لأن الإنسان حين يحاصره العجز من كل الجهات تتغير علاقته بالخوف لأن الفقر الطويل يغيّر الإنسان.. لأن الخذلان الطويل يغيّر الإنسان.. لأن الانتظار الطويل يغيّر الإنسان..وحين يشعر المرء أن الحياة نفسها أصبحت جداراً مغلقاً فإنه يبدأ بالنظر إلى المخاطر بعين مختلفة لا لأنها أقل رعباً..بل لأن الخيارات الأخرى أصبحت أكثر قسوة.. الموجع في القصة ليس سقوطه بل أننا اعتدنا مثل هذه القصص حتى فقدنا دهشتنا اصبحنا نقراء عن شاب مات في البحر واخر تحت انقاض الجدران وثالث على طريق متهالك وغيره الكثير ثم نمضي في يومنا وكأن شيئاً لم يكن كأن الموت أصبح خبراً عادياً في وطناً اعتاد الألم حتى فقد القدرة على البكاء..


لكن السؤال هو من الذي دفعه إلى التهور.. من الذي جعل المخاطرة خياراً اقتصادياً..من الذي جعل النجاة من الموت مهنة..من الذي جعل شاباً يهبط إلى قاع بركان ليكسب مالاً يكفيه لسد حاجته.. أن من دفعه إلى ذلك ليس فوهة البركان وحدها بل سنوات طويلة من الاهمال هي من ابتلعه بل البطالة هي من ابتلعته بل الفقر هو من ابتلعه بل ابتلعه وطناً يملك من الجمال ما يكفي ليكون جنة..ولكن تحول إلى وطناً يملك من الجراح ما يكفي ليطرد أبناءه إلى حواف الموت..


السؤال هنا هو كم قعقاعاً آخر ينتظر السقوط..وكم شاباً مازال يقف اليوم على حافة هاويةً ما لا لأنه يحب الموت بل لأنه لم يجد طريقاً آخر إلى الحياة ؟


رحم الله القعقاع واسكنه فسيح جناته