لا تزال التداعيات السياسية والاستراتيجية للمواجهة التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتجاوز حدود الميدان العسكري لتلامس البنية العميقة للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط. وبينما ينشغل كثيرون بتفاصيل الاتفاقات المحتملة وتأويلاتها القانونية والسياسية، فإن الأهم يكمن في قراءة التحولات البنيوية التي أفرزتها هذه المواجهة، وما فتحته من مسارات جديدة أمام الدول العربية.
صحيح أن مشروع الاتفاق ـ إن تم ـ سيبقى عرضة لاجتهادات متباينة وخلافات مستقبلية حول تفسير بنوده ومآلاته، إلا أن الحقيقة الأكثر رسوخاً تتمثل في أن المنطقة شهدت لحظة كاشفة أعادت تعريف التهديدات، وفرزت التحالفات، وكشفت موازين القوى الحقيقية، ودفعت العرب إلى مراجعة كثير من المسلمات التي حكمت سلوكهم السياسي والأمني خلال العقود الماضية.
إن المشروع الإيراني بصيغته العقائدية القائمة على ولاية الفقيه يبقى التهديد الأكثر خطورة على العالم العربي. فهو ليس مجرد مشروع نفوذ سياسي أو توسع جغرافي، بل مشروع يستهدف إعادة تشكيل هوية المنطقة وثقافتها وخرائطها السكانية وتوازناتها التاريخية، وتحويل مقدرات الأمة البشرية والمادية إلى وقود لمشروع إمبراطوري عابر للحدود.
ومع ذلك، فإن الاحتكاك الخشن الذي جرى بين طهران وواشنطن، مهما كانت نتائجه النهائية، أفرز مجموعة من التحولات التي تصب ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ في مصلحة النظام العربي والمتمثلة في:
أولاً: عودة الثقة العربية بالقدرة على الدفاع الذاتي
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدأت تتشكل قناعة عربية متنامية بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة الحماية الخارجية أو الترتيبات الدولية المتغيرة.
لقد دفعت التطورات الأخيرة العديد من العواصم العربية إلى إدراك أن بناء القوة الذاتية وتعزيز القدرات العسكرية والأمنية لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة البيئة الإقليمية الجديدة.
ثانياً: ترسيخ الوعي بحقيقة المشروع الإيراني
ربما كان أكبر مكسب عربي هو انتهاء مرحلة الأوهام بشأن طبيعة المشروع الإيراني. فالأحداث الأخيرة أكدت لكثير من النخب وصناع القرار أن المشكلة ليست في سلوك عابر أو خلاف سياسي مؤقت، بل في مشروع استراتيجي طويل الأمد يمتلك دوافعه العقائدية وأدواته العسكرية وشبكاته العابرة للحدود.
ومن هنا يمكن فهم موجة إعادة البناء والتسلح وتعزيز الجبهات الداخلية التي بدأت بالفعل في عدد من الدول العربية، والتي يرجح أن تتسع خلال السنوات القادمة.
ثالثاً: تراجع شرعية نموذج «الدولة والميليشيا»
أثبتت التطورات الأخيرة أن نموذج الجمع بين الدولة الرسمية والتنظيمات المسلحة الموازية يواجه أزمة وجودية حقيقية. فمع كل اختبار إقليمي كبير تتكشف محدودية هذا النموذج وعجزه عن توفير الاستقرار أو إنتاج دولة حديثة قادرة على إدارة مصالح مواطنيها.
ولهذا فإن شرعية الميليشيات العابرة للحدود تتعرض اليوم لتآكل متزايد، فيما تستعيد الدولة الوطنية تدريجياً مكانتها باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حفظ الأمن والتنمية والاستقرار.
رابعاً: لحظة الفرز الكبرى
كشفت الأزمة الراهنة ما كان مخفياً لسنوات طويلة. فقد اتضحت مواقع الدول، وانكشفت اتجاهات التيارات، وبرزت التناقضات التي كانت تُدار سابقاً خلف الستار.
إنها لحظة فرز سياسي واستراتيجي نادرة، تعرف خلالها كل دولة من يقف معها ومن يقف ضدها، وتعيد رسم خرائط الثقة والتحالف وفق معايير أكثر واقعية وأقل خضوعاً للشعارات.
خامساً: ولادة تحالفات جديدة
تُظهر المؤشرات الأولية أن الشرق الأوسط يتجه نحو هندسة تحالفات مختلفة عن تلك التي عرفها خلال العقود الماضية.
فإلى جانب احتمالات تعزيز التعاون العربي – العربي، تبرز فرص لتوسيع الشراكات مع المحيطين التركي والباكستاني، خصوصاً في المجالات الأمنية والعسكرية والتكنولوجية، بما يسهم في بناء توازنات إقليمية جديدة أكثر استقلالاً عن الهيمنة التقليدية للقوى الكبرى.
سادساً: لماذا لا تريد تركيا وباكستان سقوط إيران؟
رغم إدراك أنقرة وإسلام آباد لطبيعة المشروع الإيراني ومخاطره، فإنهما تنظران إلى المسألة من زاوية استراتيجية مختلفة.
ففي تقديرهما أن انهيار إيران الكامل لن يعني نهاية الصراع، بل انتقاله إلى مرحلة جديدة تصبح فيها تركيا ثم باكستان الهدف التالي لمحاولات الاحتواء أو التفكيك أو إعادة الهندسة الجيوسياسية.
ولهذا فإن موقفهما لا يعكس تأييداً للمشروع الإيراني بقدر ما يعكس حسابات تتعلق بتوازن القوى الإقليمي ومقتضيات الأمن القومي لكل منهما.
سابعاً: الدرس السوري وصعود نموذج الدولة
أظهرت التجربة السورية الجديدة بقيادة الرئيس الشرع أن استعادة الدولة لموقعها المركزي تمثل الطريق الأكثر فعالية لتحجيم النفوذ الإيراني وقطع أذرعه الإقليمية.
فكلما تعززت مؤسسات الدولة الوطنية وتوسعت شرعيتها الداخلية، تراجعت قدرة القوى الخارجية على اختراق المجتمعات وتوظيف الانقسامات المحلية لخدمة أجنداتها الخاصة.
ثامناً: عودة الدولة الوطنية إلى مركز المشهد
من أبرز دروس المرحلة أن الدولة الوطنية ليست مشكلة المنطقة، بل هي جزء أساسي من الحل.
فقد أثبتت الأحداث أن غياب الدولة أو إضعافها يفتح الباب أمام الميليشيات والمشروعات العابرة للحدود، بينما يمثل الحفاظ على المؤسسات الوطنية وتعزيزها خط الدفاع الأول عن الأمن والاستقرار والهوية.
تاسعاً: تصدعات داخل المعسكر الغربي
لعل من النتائج المهمة أيضاً ظهور مؤشرات على تراجع الانسجام التقليدي داخل المثلث الذي حكم جزءاً كبيراً من سياسات الشرق الأوسط لعقود: واشنطن، لندن، وتل أبيب.
ورغم استمرار المصالح المشتركة بين هذه الأطراف، فإن تباين الحسابات والأولويات بات أكثر وضوحاً، الأمر الذي يحدّ من قدرة هذا التحالف على فرض إرادته بصورة مطلقة كما كان يحدث في مراحل سابقة.
عاشراً: إتساع هامش الحركة العربي
إن التحول الأهم ربما يكمن في اتساع المساحة المتاحة أمام العرب للمناورة السياسية والاستراتيجية.
ففي عالم يتجه نحو التعددية القطبية، لم تعد الخيارات محصورة بين محور واحد وآخر. وأصبح بإمكان الدول العربية توسيع شراكاتها مع قوى دولية صاعدة مثل الصين وروسيا والهند، إضافة إلى تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي بعيداً عن الهيمنة البريطانية التقليدية التي كانت تشكل أحد أعمدة الترتيبات الغربية في المنطقة.
أخيراً
ربما لم تنتهِ المواجهة بعد، وربما لا تزال المنطقة مقبلة على جولات جديدة من الصراع وإعادة التموضع. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط الذي دخل هذه الأزمة ليس هو الشرق الأوسط الذي سيخرج منها.
لقد كشفت الأحداث هشاشة كثير من المسلمات القديمة، وأعادت الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، ورسخت الوعي بخطورة المشروعات العابرة للحدود، ودفعت العرب نحو التفكير بمنطق القوة الذاتية والشراكات المتوازنة.
وعندما تهدأ أصوات المدافع، قد يتبين أن المكسب الأكبر لم يكن في نتائج المعارك نفسها، بل في اليقظة الاستراتيجية التي فرضتها على العرب، وفي الفرصة التاريخية التي أتاحتها لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر توازناً وقدرة على حماية مصالحه وهويته ومستقبله.