آخر تحديث :الإثنين-15 يونيو 2026-08:26ص

سـعر الصـرف ثـابت والأسـعار فـي ازديـاد

الأحد - 14 يونيو 2026 - الساعة 08:59 م
د.هاني القاسمي


فـي ظل حالة الاستقرار النسبي التي يشهدها سعر صرف العملة، يبرز تساؤل مشروع يطرحه المواطن يوميًا: لماذا تستمر الأسـعار في الارتفاع رغم ثبات سعر الصرف؟


فـ المـعادلة الاقتصادية البسيطة تفترض أن استقرار العملة ينعكس على استقرار أسعار السلع والخدمات، أو على الأقل يحد من موجات الارتفاع المتتالية التي أثقلت كاهل المواطنين وأضعفت قدرتهم الشرائية إلى حدود غير مسبوقة.


إن استـمرار ارتفاع الأسعار في ظل ثبات سعر الصرف يكشف عن خلل يتجاوز المؤشرات النقدية، ليصل إلى غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق، وضعف أدوات الضبط والتنظيم، وترك المجال أمام بعض الممارسات الاحتكارية والمضاربات غير المشروعة التي تجعل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الاقتصاد الوطني.


ومـن المثير للانتـباه أنه عند مناقشة الباعـة حول سبب عدم التناسب بين ثبات سعر الصرف والارتفاع المستمر للسلع، يأتي ردهم الجاهز دائمًا بأن: "الحكومة هي من رفعت الأسعار، وليس نحن. الحكومة هي من عدّلت في سعر الدولار الجمركي".


فـ إذا كان الأمـر كذلك، فإن السؤال الأهم يطرح نفسه بإلحاح: أين دور الحكومة في تثبيت الأسعار وفق الأطر المصاحبة لكل قرار اقتصادي؟ وما هي معالجتها وردّها على مثل هؤلاء المتحججين بها؟


إن غـياب الـرد الرسمي الواضح والموقـف الحازم تجاه هذه الممارسات يجعل من الحكومة، في نظر المواطن، شريكًا ضمنيًا في ارتفاع الأسعار لا حاميًا له منها.


ولا يمـكن لأي سياسة اقتصادية أن تحقق أهدافها المنشودة ما لم تترافق مع رقابة حقيقية على الأسواق المالية والتجارية والخدمية.


فـ استـقرار العملة ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق الاستقرار المعيشي وتحسين مستوى حياة الناس؛ وعندما لا يلمس المواطن أثر هذا الاستقرار في أسعار الغذاء والدواء والمواصلات والخدمات الأساسية، فإن الفجوة تتسع بين المؤشرات الرسمية والواقع المعيشي.


إن المرحـلة الراهـنة تتطلب إعادة الاعتبار لدور المؤسسات الرقابية المختصة، وتمكينها من أداء مهامها بعيدًا عن أي ضغوط أو مصالح ضيقة، مع تفعيل القوانين الرادعة لمكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وإلزام التجار ومقدمي الخدمات بمراعاة المتغيرات الاقتصادية الحقيقية لا المتخيلة أو المفتعلة.


كـما أن الشفافـية في عرض التكاليف، والمتابعة المستمرة لحركة الأسواق، وإشراك منظمات المجتمع المدني والجهات المختصة في الرقابة والتقييم، تمثل أدوات ضرورية لبناء سوق متوازن يحقق العدالة بين التاجر والمستهلك، ويحافظ على استقرار الاقتصاد الوطني.


إن المـواطن لا ينتظر أرقامًا أو تصريحات بقدر ما ينتظر انعكاسها على حياته اليومية.


فـ نجـاح أي سياسة اقتصادية يُقاس بقدرتها على تخفيف الأعباء عن الناس، لا بمجرد استقرار المؤشرات على الورق.


ومـن هـنا؛ فـإن إعادة الرقابة الفاعلة على الأسواق لم تعد خيارًا يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية واقتصادية وأخلاقية تفرضها الظروف الراهنة، حفاظًا على ما تبقى من قدرة المواطن على الصمود، وتعزيزًا للثقة بين الدولة والمجتمع.


فـ إذا كان سـعر الصرف قد استقر، فإن الواجب يقتضي أن تستقر معه الأسعار، وأن يشعر المواطن بأن هناك من يحميه من جشع الأسواق وتقلباتها، لا أن يبقى وحيدًا في مواجهة أعباء معيشية تتزايد يومًا بعد آخر.


د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 13. يونيو. 2026م

.