آخر تحديث :الإثنين-15 يونيو 2026-02:09ص

القعقاع الذي هزم الخوف... وسقط في جوف الحرضة

الأحد - 14 يونيو 2026 - الساعة 10:33 م
صبري سالم بن شعيب


بقلم صبري سالم أحمد بن شعيب


لم يكن الشاب عنتر العبسي، المعروف بين الناس بلقب "القعقاع"، مجرد متسلق مغامر يبحث عن الشهرة أو الإثارة، بل كان قصة كفاح إنسانية مكتملة الأركان، ورمزًا لشباب يمني دفعت به الظروف القاسية إلى مواجهة الموت كل يوم من أجل لقمة عيش كريمة.


في أعماق حرضة دمت الشاهقة، وبين الصخور الوعرة والمنحدرات المخيفة التي ترتجف لها القلوب، اعتاد القعقاع أن يطل على الزوار والسياح كطائر جبلي لا يعرف الخوف. كان يتنقل بين الصخور بحركات مدهشة وخطرة، متحديًا الجاذبية والموت في مشهد يثير الدهشة والإعجاب. كان الحاضرون يصفقون له بإعجاب، بينما كان هو يرى في تلك المغامرات مصدر رزق يعين به أسرته ويحفظ لها كرامتها.


كل قفزة كان يؤديها تحمل في طياتها احتمال العودة أو عدم العودة. وكل حركة بهلوانية فوق الصخور كانت معركة جديدة يخوضها ضد الفقر والحاجة وقسوة الحياة. لكنه، رغم المخاطر الجسيمة التي كانت تحيط به من كل جانب، لم يكن يتراجع أو يتذمر، بل كان يواجه يومه بشجاعة نادرة وعزة نفس لا مثيل لها، مؤمنًا بأن العمل الشريف، مهما كان شاقًا وخطيرًا، خير من مد اليد أو الاستسلام للواقع.


وفي لحظة حزينة ومؤلمة، انتهت رحلة القعقاع التي طالما أدهشت الناس. سقط الشاب المكافح في جوف الحرضة أثناء أدائه إحدى حركاته التسلقية الخطرة، ليرحل عن الدنيا تاركًا خلفه حزنًا عميقًا في قلوب أهله وأصدقائه وكل من عرف قصته أو شاهد شجاعته.


لم يكن رحيل عنتر العبسي مجرد حادث فردي عابر، بل هو مرآة تعكس مأساة جيل كامل من الشباب اليمني الذي وجد نفسه محاصرًا بين الفقر والبطالة وانعدام الفرص. جيلٌ حرمته سنوات الحرب الطويلة من الأمن والاستقرار والعيش الكريم، ودفعته الظروف الاقتصادية القاسية إلى البحث عن مصادر رزق محفوفة بالمخاطر، في ظل عجز الحكومات المتعاقبة عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة وفرص العمل الآمنة.


لقد مات القعقاع وهو يؤدي عمله، لكنه في الحقيقة كان ضحية واقع أكبر من مجرد سقطة على صخرة. كان ضحية سنوات من المعاناة التي جعلت شبابًا في عمر الزهور يخاطرون بأرواحهم كل يوم ليعيلوا أسرهم ويحافظوا على كرامتهم. رحل عنتر العبسي، لكن قصته ستظل شاهدًا مؤلمًا على الثمن الباهظ الذي يدفعه اليمنيون البسطاء في سبيل البقاء.


رحم الله القعقاع، ذلك الشاب الذي واجه الموت بشجاعة الرجال، وعاش بعزة نفس نادرة، ورحل تاركًا رسالة موجعة مفادها أن الأوطان حين تعجز عن احتضان شبابها، فإنهم قد يجدون أنفسهم مضطرين لمصارعة الخطر كل يوم من أجل لقمة عيش لا أكثر.


سلامٌ على روحه، وسلامٌ على كل شاب يمني يكافح بصمت في مواجهة ظروف لم يخترها، لكنه يدفع ثمنها من عمره وأحلامه ومستقبله.

رحمه الله الواسعه تغشاه واسكنه الله فسيح جناته باذنه تعالى انا لله وانا اليه راجعون