أحيانا وأنت جالس لحالك تحس إنك عايش في مسرحية اختلطت فيها الكوميديا والتراجيديا وتضاف إليها فنتازيا احيانا، كل شيء في هذه البلاد يمشي بالمقلوب، الشيء الطبيعي صار حلم، والحلم صار مستحيل!!، كيف ذلك؟ من ضمن تلك المسرحيات "السوداء" التي تختلط فيها كل المشاعر، أو كما يقول امرؤ القيس واصفا سرعة فرسه "مكر مفر مقبلا مدبرا معا"، ونحن جمعنا البتاع كله في قصة أو نكتة "الراتب" معا.
قبل ما ينزل الراتب بيومين تبدأ الأخبار من كل حدب وصوب مزلزلة ومعنْونه بـ
"بشرى سارة"
ومثلها "أخيرا سوف تُصرف رواتب المدنيين والعسكريين" وأيضا
"توجيهات عليا بسرعة الصرف"!!وتشوف الناس ترسل لبعضها في الواتساب والفيسبوك "خبابير البشرى" وكأن البلد حصلت على منح ضخمة وفي الغد ستوزع على الرعية "يرعاهم الله".
طيب ياعالم الراتب أصلاً إيش هو؟
الراتب هو مبلغ مالي يصرف لك نهاية كل شهر مقابل دوامك لشهر كامل، يعني ثلاثين يوم وأنت تصحى الفجر بلا صبوح "قراع" في الغالب، تروح شغلك تحت عنوان "مكره أخاك لا بطل"، توقف في طابور دوامك "مهموم"، وفي نهاية الدوام ترجع وسط الشمس الحارقة تعبان أسفا، وفي آخر الشهر يعطوك فلوسك هذا هو ابسط مفهوم للراتب لا فيه هدية ولا منحة ولا منّة من أحد.. عرفت كيف الآن الراتب!.
لكن عندنا يتحول إلى خبر مزلزل، تضج به المجموعات بوسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان "عواجل القول" على وزن "قصارى القول"، تبدأ من بشرى وتنتهي إلى إنجاز فضيع، طيب تمام_تمام مشيناها انجازات حكومية عظيمة، طيب سألت نفسك أن
المدرس يجلس شهور بدون راتب!، يجلس ينتظر ومراعي "البشرى" حقك متى تصله، والعسكري اللي يرابط في الجبهة يقرأ الخبابير العاجلة الخاصة بصرف الراتب ومتى بيصرفوها له، يا أخي أنت تحسسه وكأنه بيستلم ورث معاد هو راتب 75 ألف ريال.
طيب، الكلام البسيط اللي بكل لهجات العرب والجميع يفهمه أنه مافيش دولة في العالم يعلن ناشطوها الرقميون "بشرى سارة" على إنها بتعطي بكرة للموظف راتبه،
ففي مصر مثلا أو في الأردن أو في السعودية أو في أي مكان بالعالم الراتب ينزل يوم 27_30 وإذا تأخر إلى 1 من الشهر الجديد، ومافيش أحد يطبل له عند اخوتنا العرب، ومافيش أحد يكتب بالمانشيت عن هذا الكرم "الحاتمي" الحكومي بحق الموظف... ليش؟! لأنه طبيعي زيما الشمس تطلع الصباح من المشرق، والدّيك يصيح الفجر قبل خروج الشمس، فطبيعي مايحتاج هذا الخبر إعلان الى "الرعية" في الليل لاخبارهم بذلك.
نحن وعلى قولة فنان أبين عوض أحمد "أمرهم لله"
صار الطبيعي معجزة، وصار الحق حسنة، وصار واجب الدولة للمواطن "بشرى" من قبل الناشطين "أمرهم لله"، وطامة المشاكل مش في تأخر الراتب بس وأخبار عواجل البشرى تلك، بل إن الراتب لما يجي ما يكفي..!، كيف مايكفي؟،
تستلم راتبك اليوم وتروح السوق ماتقدر تشتري به كيس دقيق وكيس رز، ثم ترجع البيت والراتب قد خلص في "حيص بيص"، فأي بؤس هذا الذي يحمله هذا الموظف الغلبان؟.
أقول لاصحاب البشرى والبشاير أنني كموظف لما استلم راتبي يعتبر ثمن تعبي فقط، ماراح أشتري به بيت ملك في اليوم التالي، ولا باسافر به "استجمام وترافيل" وترفيه شرق آسيا، وما باعالج به نفسي وولدي!، راتب "البشرى هذا" يادوب عشت فرحته أقل من ساعتين عشان أدفع جزء ماعلي من ديون، وبعدها أرجع استنى "البشرى" الجاية منكم.
حقيقة اللي يقهر أكثر وأشد إيلام من أصحاب "عواحل البشرى" إن الإعلان نفسه يصير إنجاز للمسؤول وكأنه مكرمه من (فلان الفلاني)
ثم يتصور ويصرّح، ومن تلك التصريحات "وجهنا بصرف الرواتب" وكأنه حل أزمة اقتصادية، مع إن المطلوب منه أصلاً إنه يصرفها بدون توجيهات وبدون كاميرات،
قبل أسبوعين من الصرف نعيش على الإشاعة،
وبعد الصرف بأسبوع نعيش على السلف والدين،
وبينهم "بشرى سارة"،
واخيرا لو كان الراتب فعلاً بشرى كان غير حياتنا، لكنه يادوب يخلينا نعيش كي لانموت، ويا دوب يخلينا نبقى للمسرحية الجاية، وعشتم على أخبار البشرى التي لا تنتهي مع نهاية كل شهر.