دولة قُتلت قيادتها العليا في الساعات الأولى من حرب. دُمّر جزء كبير من بنيتها النووية. وتقلّص مخزونها الصاروخي إلى ما يقارب خُمس ما كان عليه قبل أشهر فقط. ومع ذلك، تجلس هذه الدولة اليوم إلى طاولة التفاوض، ليس لتقبل شروط من انتصر عليها، بل لتُساوم على ما يشبه إلى حد بعيد ما كانت تطمح إليه أصلاً قبل أن تبدأ هذه الحرب.
هذه ليست مفارقة نتجاوزها بابتسامة عابرة. هي بيت القصيد في كل ما يجري الآن بين واشنطن وطهران. ومن لا يُمسك بهذا الخيط جيداً، سيُخطئ في كل ما يقرأه لاحقاً، عن منطقتنا وعن غيرها.
اتفاق فرضته الحاجة، لا اتفاق صنعته القناعة
لنكن واضحين منذ البداية: ما يُقدَّم إعلامياً تحت عنوان “اتفاق سلام” ليس وليد قناعة مشتركة بإنهاء عداء عمره عقود. هو نتيجة ضرورات داخلية بحتة، عند الطرفين معاً.
ترامب يحتاج عنواناً يُقدّمه لجمهوره قبل الانتخابات النصفية. التضخم الناتج عن إغلاق هرمز يأكل من جيوب الأمريكيين كل يوم، والكونغرس بدأ يسحب من تحته الغطاء التشريعي لاستمرار هذه الحرب. وإيران، من جهتها، تحتاج هذا التفاهم لترتيب بيتها الداخلي تحت قيادة جديدة لم تُختبر بعد، وللبدء بإعادة بناء ما تهدّم من مؤسساتها العسكرية، بعيداً عن ضربات يومية تستنزف ما تبقى منها.
النتيجة؟ كل طرف يجلس إلى الطاولة وهو يعرف، بدقة، أن الطرف الآخر جاء من موقع حاجة لا قوة. وهذه المعرفة المتبادلة وحدها كافية لتفسير هشاشة هذا التفاهم، منذ لحظة توقيعه، قبل أن يُختبر أي بند منه على الأرض.
من ربح فعلياً؟
القراءة السريعة تقول إن واشنطن انتصرت عسكرياً وإن طهران خرجت مهزومة. لكن من يتمهّل قليلاً سيجد المشهد مقلوباً.
إيران حوّلت هزيمتها العسكرية إلى مكسب سياسي واقتصادي يتجاوز ما كانت تحلم به قبل اندلاع الحرب أصلاً: خطة إعمار بمليارات الدولارات، إفراج عن أصول مجمدة، بيان أمريكي خطي يُعلن احترام سيادتها لأول مرة منذ نحو نصف قرن من العداء، وإقفال كامل لملف شبكتها الإقليمية بحيث لا يُطرح للبحث من الأساس.
أما واشنطن، فحصلت على عنوان إخباري لامع. لا أكثر. والفرق بين أن تبدو منتصراً وأن تكون منتصراً فعلاً هو فرق ستكشفه الأشهر القادمة بوضوح متزايد، شئنا أم أبينا.
البند الذي مرّ مرور الكرام، وهو الأخطر فيها جميعاً
بين عشرات التفاصيل التي تناقلتها وكالات الأنباء عن بنود هذا التفاهم، ثمة بند واحد مرّ دون أن يُعطى وزنه الحقيقي: استبعاد ملف الصواريخ الباليستية، واستبعاد الأذرع الإيرانية في المنطقة العربية، من جدول المفاوضات النهائي بشكل كامل. باستثناء واحد، ولافت جداً: لبنان وحزب الله.
أراه القرار الأكثر دلالة في الوثيقة كلها. حزب الله، وحده من بين كل الأذرع، وجد طريقه إلى نص التفاهم بالاسم، عبر شرط إنهاء الأعمال العدائية في لبنان كجزء من بنود إنهاء الحرب. أما بقية الشبكة الإقليمية لطهران، وفي مقدمتها الحوثيون والفصائل المسلحة في العراق، فغابت عن الوثيقة كلياً. لا بالحماية، ولا بالاستهداف. فاتورة الحرب ستُدفع من حساب البرنامج النووي والاقتصاد الإيراني المباشر فقط، بينما يبقى مصير هذه الأذرع معلقاً، خارج أي تسوية مكتوبة.
والقراءة الشائعة لهذا الغياب تقول إنه يمنح الحوثيين والفصائل العراقية حصانة، فما لم يُذكر في الاتفاق لا يقع تحت التزاماته. لكن أرى الأمر معكوساً، وهي قراءة أقرب في تقديري إلى منطق الصفقات الكبرى بين القوى العظمى وخصومها الإقليميين: ما يُذكر بالاسم يُشترى له غطاء حماية ضمن الصفقة. وما يغيب عن النص يبقى عارياً من أي غطاء كهذا.
بهذا المنطق، حزب الله، الذراع الأكثر إنهاكاً والأكثر حاجة لمن يُنقذها، حصلت على ثمن إنقاذها داخل الصفقة الكبرى. أما الأذرع الأخرى، التي طوّرت قدرة محلية أكبر على تصنيع وسائلها العسكرية وباتت أقل اعتماداً على إيران، فلم تحصل على هذا الغطاء. لا لأنها أقوى، بل لأنها، من منظور طهران، لم تكن في حاجة عاجلة إليه. وربما لأن خصومها الإقليميين والدوليين يرونها الساحة الوحيدة المتبقية وغير المُسوَّاة لمواصلة الضغط على الشبكة الإيرانية، بعد أن أُقفلت أبواب إيران ولبنان عبر هذا التفاهم.
التناقضات ليست أخطاء
من يتابع تفاصيل ما تسرّب من بنود هذا التفاهم سيلحظ تناقضات صريحة بين الرواية الأمريكية والرواية الإيرانية، في أكثر من نقطة جوهرية: حجم الأموال المُفرَج عنها، وشرطية الإفراج، وآلية فتح هرمز ورسومه.
لا أرى في هذا فوضى أو سوء تواصل. هو، في جوهره، حرب روايات تُدار في العلن، يحاول فيها كل طرف تثبيت نسخته في الإعلام بوصفها الحقيقة، إلى أن يجد الطرف الآخر نفسه مضطراً للتعامل معها كأمر واقع لا يمكن التراجع عنه دون كلفة سياسية.
إسرائيل، اللاعب الذي لا يستأذن أحداً
في كل مرة بدا هذا التفاهم قريباً من خط النهاية، ظهرت ضربة إسرائيلية جديدة في لبنان. أو تصريح إسرائيلي متشدد يُقلّل من شأن ما يُعلَن في واشنطن. وهذا التكرار، بصراحة، ليس صدفة.
إسرائيل تتصرف كلاعب مستقل له أجندته الخاصة، لا كتابع منضبط للموقف الأمريكي. وما تسرّب من تصريحات رسمية وتقارير إسرائيلية يكشف أمراً مهماً: قلق تل أبيب من هذا التفاهم لم يكن، في الأصل، قلقاً نووياً. كان قلقاً من بند حماية حزب الله نفسه.
ولماذا؟ لأن النووي تهديد مستقبلي محتمل، يحتاج تفعيله سنوات. بينما شبكة الأذرع الإقليمية، من حزب الله إلى الحوثيين والفصائل العراقية، تهديد حاضر، يومي، تختبره إسرائيل وحلفاؤها كل أسبوع تقريباً.
من هذه الزاوية، تفاهم يُقيّد قدرة إسرائيل على الرد في الجبهة الأكثر اشتعالاً، أي لبنان، دون أن يُقابله أي التزام دولي مماثل يُقيّد تغذية إيران لأذرعها الأخرى، هو تفاهم تراه تل أبيب غير متوازن أمنياً. بصرف النظر عن أي ضمانات نووية يحملها. وهذا يفسّر إلى حد بعيد حدّة بعض ردود الفعل الإسرائيلية الرسمية، التي تجاوزت حدود الخلاف السياسي المعتاد إلى تصريحات صريحة بعدم الالتزام بما لم تكن إسرائيل، بحسب تعبيرها هي، شريكاً حقيقياً في صنعه.
الغبار النووي
من بين كل ما قيل، ثمة تصريح واحد يستحق وقفة متأنية. حديث ترامب عن أن واشنطن ستتعامل، في الوقت المناسب، مع ما تبقى من المادة النووية الإيرانية تحت الأنقاض. وما وصفه هو نفسه بـ”الغبار النووي”.
هذا التصريح، إن قُرئ بعناية، يكشف عن عملية مستقبلية مُعدّة سلفاً. تُنفَّذ تحت غطاء “تطبيق بنود التفاهم”، لا تحت غطاء “خرقها”.
وهنا الذكاء التكتيكي الحقيقي. إذا نصّ التفاهم نفسه على آلية رقابية لتنفيذه، وعلى دخول مفتشين دوليين للتعامل مع المواقع المدمَّرة، فإن أي تحرك أمريكي لاحق داخل الأراضي الإيرانية، عسكرياً أو استخباراتياً، سيصعب على طهران تصويره بوصفه عدواناً. لأنه، شكلياً على الأقل، تنفيذ لما وافقت عليه هي بنفسها.
هذه، في رأيي، هي القنبلة الموقوتة الحقيقية في الفترة القادمة. لا انهيار التفاهم بشكل صريح ومفاجئ، بل تحوّل تنفيذه نفسه إلى عملية ذات طابع عسكري مقنّع.
المنتصر الذي لم يُطلق رصاصة واحدة
وبين كل هذا، ثمة طرف يستحق أن نتوقف عنده بعناية مضاعفة: المملكة العربية السعودية ومحيطها الخليجي.
فكل سيناريو حسم صريح في هذه الحرب كان يحمل تهديداً مباشراً لهذا الطرف بالذات. انتصار إيراني صريح يعني تعزيزاً مباشراً للنفوذ الإيراني في كل الملفات التي تتقاطع مع الأمن السعودي. وانتصار إسرائيلي صريح يضع المملكة في موقف حرج أمام حلفائها الغربيين، الذين قد يربطون أي انفتاح إقليمي جديد بمسار تطبيع لم تكن الرياض مستعدة لقبوله دون مقابل واضح يتعلق بالقضية الفلسطينية.
والنتيجة الفعلية لهذه الحرب، أي غياب أي حسم صريح لأي طرف، هي بالضبط النتيجة التي تُناسب الرياض أكثر من أي بديل آخر. وفي الوقت نفسه، استمرت المملكة في عقد صفقات اقتصادية ودفاعية ضخمة مع واشنطن، بمعزل تام عن فاتورة هذه الحرب. واستفادت من ارتفاع أسعار النفط طوال أشهر الصراع بوصفها أكبر مُصدّر في المنطقة. دون أن تتعرض أراضيها لما تعرضت له دول خليجية أخرى من ضربات مباشرة.
لذلك أقول: الرياض خرجت من هذه الأزمة الفاعل الأكثر رشداً فيها. ليس لأنها انتصرت بالمعنى التقليدي للكلمة. بل لأنها نجت من كل التهديدات المحتملة عليها في آنٍ واحد. وحققت، فوق ذلك، مكاسب لم تكن مضمونة قبل اندلاع الحرب أصلاً.
الخلاصة: إعادة جدولة، لا إنهاء
ما يُقدَّم للعالم بوصفه اتفاق سلام هو، في حقيقته، إعادة جدولة للصراع. لا إنهاء له.
كل طرف يكسب وقتاً يحتاجه بشدة. واشنطن تكسب وقتاً سياسياً قبل صناديق الاقتراع. وطهران تكسب وقتاً لإعادة بناء قيادتها ومؤسساتها العسكرية المتهالكة، تحت غطاء تفاوض يُبعد عنها الضربات اليومية. والرياض تكسب استمرار التوازن الإقليمي الذي تُفضّله على أي بديل حاد.
والمؤشر الحقيقي على ما سيحدث لاحقاً لن يكون في نصوص المذكرات والبيانات الرسمية. بل في سرعة وحجم الحركة الميدانية لكل طرف خلال الأسابيع المقبلة. هل تتحرك طهران لإخفاء ما تبقى من موادها النووية قبل أن تُصبح قابلة للتفتيش؟ هل تُعيد بناء قدراتها الصاروخية بسرعة تتجاوز قدرة الرصد؟ هل تُحضّر واشنطن لوجود استخباراتي أو عسكري داخل الأراضي الإيرانية تحت عنوان التفتيش؟ وهل تستمر إسرائيل في عملياتها داخل لبنان رغم كل التعهدات المُعلَنة؟
الإجابات عن هذه الأسئلة، لا حروف المذكرة الموقّعة، هي ما سيحدد إن كان ما نراه اليوم هدنة طويلة الأمد تستحق هذا الوصف. أم أنه مجرد فاصل قصير، قبل أن يُفتح فصل جديد من هذا الصراع. بأدوات مختلفة، وعناوين مختلفة، لكن بجوهر لم يتغير.
قراءتي الشخصية
وأنا، إذ أكتب هذه السطور، أميل إلى رأي قد لا يشاركني فيه كثيرون: الحرب ستعود. وستعود أقوى من موجتها الأولى. لكنها، هذه المرة، ستكون بأهداف أكثر دقة، وبخطة أكثر إحكاماً.
الموجة الأولى، على ضخامتها، حملت كثيراً من ملامح ردّ الفعل السريع المتلاحق. أكثر مما حملت ملامح خطة مُعدّة سلفاً لمآلاتها. أما الموجة القادمة، إن حدثت، فستكون مختلفة في طبيعتها، لأنها ستأتي بعد فترة “إعادة جدولة” استُخدمت، من الجانب الأمريكي على الأقل، لتحديد الأهداف بدقة أكبر، وتجهيز الأرض لما هو أبعد من الضربات الجوية والبحرية التي رأيناها حتى الآن.
وما يُرجّح هذا الاعتقاد عندي هو ذلك التصريح عن “الغبار النووي”، والتعامل مع ما تبقى من المادة المخصبة “في الوقت المناسب”. لا أقرأ في هذا التصريح وصفاً لتفتيش روتيني. أقرأ فيه تمهيداً لشيء أعمق: تحركات من داخل إيران نفسها. عبر شبكات استخباراتية، أو عبر استثمار حالة عدم اليقين التي تعيشها طهران تحت قيادة جديدة لم تُختبر، أو عبر الأمرين معاً.
فالقيادة الإيرانية الجديدة، التي صعدت في ظروف استثنائية وسط دمار واسع لمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، تمثل بيئة أكثر هشاشة من أي وقت سابق أمام أي محاولة لزرع الانقسام، أو تحفيز تحركات داخلية، عسكرية أو سياسية، تخدم في النهاية الهدف الأبعد: إغلاق الملف النووي الإيراني بشكل لا يحتاج بعده إلى حروب متكررة.
وبهذا المعنى، “الستين يوماً” التي يتحدث عنها الجميع ليست، في نظري، فترة سلام مؤجل. هي فترة تجهيز مزدوج. تجهيز إيراني لإخفاء ما تبقى، وإعادة بناء ما يمكن إعادة بناؤه. وتجهيز أمريكي، ربما بمشاركة إسرائيلية واستخباراتية أوسع، لعملية لاحقة أكثر جراحية، وأكثر تركيزاً على الداخل الإيراني نفسه. لا على البنية العسكرية والصاروخية الخارجية التي استُهدفت في الموجة الأولى.
وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن المنطقة كلها، وملف اليمن في قلبها، ستكون أمام مرحلة جديدة كلياً. تختلف عن كل ما عايشناه في هذه الحرب حتى الآن.